منتدى الأسئلة
 الجديــد | محـرك البحـث | برنـامج المنبر | خـارطة االمــوقع | تجاوز الحجــــــــب | اتصــل بنــا | English

مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
منبر التوحيد و الجهاد  منتدى الأسئلة   التصنيف الموضوعي للأسئلة  الجهاد وأحكامه  حكم لبس الصليب خداعا للكفار






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
مشايخنا الكرام رفع الله قدركم في الدارين وأجزل الله لكم المثوبة والعطاء .آمين
لديٍ إشكال في مسألة لبس الصليب للمجاهد
والسؤال كالتالي مجاهد من المجاهدين أراد أن يقوم بعملية إستشهادية في مكان من أماكن تواجد أئمة الكفر ولا يستطيع الدخول لهذا المكان إلا إذا لبس لباسهم ووضع الصليب في عنقه فهل مثل هذه الحالة يجوز له فعل هذا الفعل أم لا
وحبذا لو تكرمتم علينا بالأدلة سواء كان الجواب في جواز ذلك ام كان بعدم الجواز وإن كان يجوز ذلك هل نستطيع أيضا ان نقول بجواز دخول البرلمانات الكفرية والقسم على الدستور واحترامه من أجل مصلحة التغيير ؟
بارك الله فيكم ورفع الله قدركم في الدارين

السائل: محب العلم وأهله

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد :
فهذه مسألة مهمة نحتاج إلى بيانها وتفصيل أقوال أهل العلم فيها وبيان منزع كل قول وترجيح الراجح بالأدلة .
فأقول وبالله التوفيق :
الصليب هو شعار النصارى اليوم ويتنزل في حقه ما ذكره أهل العلم من حكم شد الزنار الذي كان شعار النصارى قديما .
أقوال أهل العلم في التكفير بشد الزنار ولبس الصليب
القول الأول :
اعتباره مسألة مكفرة

وقد نص كثير من أهل العلم على كفر من شد الزنار واعتبروه أمرا مكفرا مخرجا من الملة وممن ذكر ذالك :
1- الإمام أحمد بن حنبل . (ت :241هـ)
نقل شيخ الإسلام ابن تيميّة في كتاب الإيمان قول الإمام أحمد في ردِّه على الجَهْمِ : (فيلزمه أَنْ يقول : إذا أَقرَّ ،ثم شدَّ الزنَّار في وسطه ، وصلَّى للصَّليب ، وأتى الكنائس والبِيَع وعمل الكبائر كلَّها ، إلاَّ أَنَّه في ذلك مُقِرٌّ بالله ، فيلزمه أَنْ يكون عنده مؤمناً، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم ).
2-وقال ابن حجر الهيتمي: ( ولو شد على وسطه زناراً، ودخل دار الحرب للتجارة كفر )
الإعلام بقواطع الإسلام ص 363 ،
3-قال النووي :
(ولو شد الزنار على وسطه كفر واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه والصحيح أنه يكفر ولو شد على وسطه حبلا فسئل عنه فقال هذا زنار فالأكثرون على أنه يكفر ).
روضة الطالبين - (10 / 69)
حكاية الإجماع على التكفير به
وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على التكفير بهذه المسألة ‘ ومن أمثلة هذا النقل :
1- قول النووي في روضة الطالبين:( أجمع العلماء على أن من شد الزنار على وسطه فهو كافر واختلفوا في قلنسوة المجوس والراجح الكفر ).

2- قول القاضي عياض في آخر كتاب الشفا : " وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك كالسعي إلى الكنائس والبيع
مع أهلها بزيهم، من شد الزنانير، وفحص الرؤوس، فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر. وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام ". انتهى.

وقد حكى سعد الدين التفتازاني (ت: 791هـ ) الإجماع على كفر لابس الصليب ولم ينكره فقال :
(فإن قيل من استخف بالشرع أو الشارع أوألقى المصحف في القاذورات أو شد الزنار بالاختيار كافر إجماعا وإن كان مصدقا للنبي صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به ....)
شرح المقاصد في علم الكلام - (2 / 267)

لكن الذي يظهر – والله اعلم – أن المسألة لم تصل إلى مرحلة الإجماع لأنه وجد من أهل العلم من خالف فيها كما في القول الموالي .
القول الثاني :
عدم التكفير به
ذكر بعض أهل العلم من الشافعية والحنابلة والأحناف أن شد الزنار وتعليق الصليب لا يعتبر مسألة مكفرة وممن قال ذالك :
1- قال أبو النجا الحجاوي (ات : 960هـ) :
(ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء والحمراء من شعارهم حرم على المسلم لبسها والظاهر أنه يجتزأ بها في حق الرجال عن الغيار ونحوه لحصول التمييز الظاهر بها وهو في الأزمنة وقبلها كالإجماع لأنها صارت مألوفة فإن أرادوا العدول عنها منعوا وإن تزيا بها مسلم أو علق صليبا بصدره حرم ولم يكفر) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل - (2 / 48).

2- قال زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري السنيكي (ت : 926هـ)في شرحه (أسنى المطالب) على كتاب (روض الطالب) في بيان الأمور غير المكفرة : (فلا يكفر لعذره ولا إن قال مسلم لمسلم سلبه الله الإيمان .........ولا إن شد الزنار على وسطه أو وضع قلنسوة المجوس على رأسه).

3- قال علاء الدين علي بن خليل الطرابلسي الحنفي (ت : 844هـ)
(فرع : رجل وضع قلنسوة المجوسي على رأسه قال بعضهم : يكفر‘ وقال بعضهم : لا يكفر ‘ وقال بعض المتأخرين : إن كان لضرورة البرد أو لأن البقرة لا تعطيه اللبن لا يكفر ‘ وإلا يكفر). انتهى من معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام - (2 / 303)
4- و جاء في الفتاوى الهندية :
فقد صرح أصحابنا بأنه لو شد الزنار على وسطه أو وضع على رأسه قلنسوة المجوس لم يكفر بمجرد ذالك ا هـ
الفتاوى الفقهية الكبرى - (4 / 238)

5- قال ابن عابدين في معرض حديثه عن كراهة لبس ثوب فيه صور وتماثيل :
قوله ( تمثال ) أي مرسوم في جدار أو غيره أو موضوع أو معلق كما في المنية وشرحها
أقول والظاهر أنه يلحق به الصليب وإن لم يكن تمثال ذي روح لأن فيه تشبها بالنصارى
ويكره التشبه بهم في المذموم وإن لم يقصده كما مر
حاشية ابن عابدين - (1 / 648)
ومن أهل العلم من اقتصر على التصريح بالتحريم دون التكفير كما قال الرحيباني في مطالب أولي النهى :
وأما المختص بهم كالعمامة الزرقاء والقلوصة وتعليق الصليب في الصدر فهذا لا ريب في تحريمه
مطالب أولي النهى - (7 / 224)
وقال أيضا في كلامه عن التصوير :
((وجاز تصوير غير حيوان كشجر ) وكل ما لا روح فيه إلا الصليب فيكره تصويره في لباس ودراهم ودنانير وخواتيم وغيرها على الصحيح من المذهب لقول عائشة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يترك في بيته شيئا من تصليب إلا فضَّه ) رواه أبو داود .
قال في "الإنصاف" ويحتمل تحريمه وهو ظاهر نقل صالح ‘ قلت : وهو الصواب )) انتهى .
مطالب أولي النهى - (2 / 376)


هذا وقد استدل البعض لعدم التكفير بلبس الصليب بجواز الصلاة داخل الكنيسة مع ما فيه من التشبه بالكفار .
ولكن لا دليل قي هذه المسألة لأن الصلاة في الكنيسة والبيع وردت فيها أدلة خاصة تدل على جوازها .
فقد ذكر ابن المنذر في (الأوسط): أن (الصلاة في الكنائس جائزة لدخولها في جملة قوله "جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا")
وذكر الشوكاني في(نيل الأوطار) أثرين عن عمر وابن عباس وقال: "والأثران يدلان على جواز دخول البِيَعِ والصلاة فيها إلا إذا كان فيها تماثيل".


القول الثالث : التكفير بشروط
اشترط بعض أهل العلم شروطا للتكفير بلبس الصليب أو شد الزنار ومن ذالك اشتراط بعض المالكية الجمع بين شد الزنار والسعي إلى الكنيسة وذكروا أيضا أن من تشبه على وجه اللعب والسخرية لم يرتد بل يكون فاسقا يستحق العقوبة كما ذكر الزرقاني وغيره .
وقال عبد الرحمن بن أحمد الإيجي :
(ولو علم أنه شد الزنار لا لتعظيم دين النصارى واعتقاد حقيته لم يحكم بكفره فما بينه وبين الله ) كتاب المواقف للإيجي - (3 / 546)
وأشار إلى هذا القول أيضا صاحب الفقه على المذاهب الأربعة فقال :
(ومن الفعل المستلزم للكفر شد الزنار وهو حزام خاص به أشكال مختلفة يشد به النصارى وسطهم ليمتازوا به عن غيرهم فإذا لبسه المسلم فإنه يكفر بشروط
الشرط الأول : أن يلبسه محبة لدينهم وميلا لأهله فيكون معنى لبسه لهم خروجا من جماعة المسلمين إلى جماعة الكافرين فإذا لبسه لغرض آخر غير ذلك كأن لبسه هازلا . أو نحو ذلك . فإنه لا يكفر ولكن يحرم عليه فعل ذلك
الشرط الثاني : أن لا تضطره الضرورة إلى لبسه كما إذا وجد في بلادهم لضرورة ولم يجد لباسا سواه
الشرط الثالث : أن ينضم إلى لبسه عمل آخر من أعمال ديانتهم كمشي إلى الكنيسة أو تعظيم للصليب أو نحو ذلك فإن لبسه ولم يفعل ذلك فإنه لا يكفر على الراجح ومثل الزنار في حكم لبس كل ما يختص بالكافر من الملابس).الفقه على المذاهب الأربعة - (4 / 107)
كذا قال ‘ ولكن تعليق الكفر بالمحبة القلبية إناطة له بأمر باطني لا يمكن التحقق منه ولا الإشهاد عليه ‘ والكفر لا يناط إلا بالأمور الظاهرة كما أشار إلى ذالك أبو محمد المراكشي في منظومة الإيمان فقال :
فليس محصورا في الاعتقاد *** وهل ترى خبيئة الفؤاد؟
العلة في التكفير بشد الزنار ولبس الصليب :
وجدت أن أهل العلم يذكرون ثلاث علل للتكفير بهذه المسألة :
العلة الأولى :
كونه تشبها بالنصارى
وقد ذكر ذالك شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" تعليقا على حديث :
اِبن عمر –رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - - مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ, فَهُوَ مِنْهُمْ - أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بأهل الكتاب وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم فكما في قوله تعالى * (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) [ المائدة : 51 ] وهو نظير قول ابن عمرو من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر يوم القيامة معهم فقد حمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك ، وقد يحمل منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا لها كان حكمه كذلك) انتهى كلامه .
قلت : وكلام شيخ الإسلام صريح في أن لفظ التشبه المتوعد عليه في الحديث مشترك بين التشبه المطلق المخرج من الملة والتشبه المحرم الذي لا يصل إلى درجة الكفر .
وإذا كان الأمر كذالك فإنه لا مانع من حمل الحديث على المعنيين معا لأن المشترك يجوز أن يحمل على معنييه معا كما قال الشيخ سيدي عبد الله في المراقي :
إطلاقه في معنييه مثلا ***مجازا أو ضدا أجاز النبلا
وهذا مثل قولك : ملبوسي الجون ‘ تريد الأبيض والأسود جميعا .
وقولك : عندي عين ‘ تريد الباصرة والجارية .
فيكون الحديث دالا على كفر من تشبه بهم في أمور دينهم ودالا على حرم من تشبه بهم فيما دون ذالك .
العلة الثانية :
كونه عملا يتضمن الكفر أي دليلا عليه
وقد تقرر في الشرع والعقل الاستدلال بالعلامة ‘ ولا شك أن شد الزنار وتعليق الصليب من أفصح العلامات الناطقة بكفر فاعله كما قال أبو نواس في خمرياته :
فلما حكى الزنار أن ليس مسلما ** ظننا به خيرا فصيره شرا
فقلنا على دين المسيح بن مريم ** فأعرض مزورا وقال لنا كفرا
وكثير من أهل العلم يعتبرون كل مشاركة للكفار في دينهم علامة على الكفر والرغبة عن الإسلام
وقد نص المالكية على أن الردة تكون بكل فعل يتضمن الكفر ومن الأمثلة التي يذكرونها لذالك : "شد الزنار" ‘ كما قال خليل في المختصر : (الردة : كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه: كإلقاء مصحف بقذر وشد زنار).
وقال الخرشي :
(وكذلك يكون مرتدا إذا شد الزنار في وسطه ; لأن هذا فعل يتضمن الكفر) ,
شرح مختصر خليل - (8 / 63) الخرشي
وقال ابن فرحون :
(نحكم بكفر من تردد إلى الكنيسة أو لبس الزنار في بلاد الإسلام أو ألقى المصحف في القاذورات أو لطخ الحجر الأسود بالنجاسة ‘ لأن هذه الأفعال قرينة دالة على الكفر) . تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام - (4 / 220)
وقال ابن فرحون أيضا :
(قال ابن رشد : واما الفعل الذي يتضمن الكفر فمثل التردد إلى الكنائس والتزام الزنار في الأعياد ).تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام - (5 / 243)
وقال أبو عبد الله محمّد بن قاسم الرصَّاع المالكي (ت:894هـ):
(بابٌ فيما تظهر به الرِّدَّة قال الشيخ ابن شاس رحمه الله: ظهور الرِّدَّة إمَّا بتصريحٍ بالكفر أو بلفظٍ يقتضيه أو فعلٍ يتضمَّنه قال الشيخ رحمه الله بعد نقله له قوله (بلفظ يقتضيه) كإنكارِ غير حديث الإسلام وجوب ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً قوله (أو فعل يقتضيه ) كلبس الزّنَّار وإلقاء المصحف في طريق النجاسة أو السُّجود للصَّنم ونحو ذلك )
"شرح حدود ابن عرفة" (2/634)
وقال علاء الدِّين عليُّ بن خليل الطرابلسيّ الحنفيّ (ت:844هـ):
(وأمَّا الفعل الذي يتضمَّن الكفر فمثل التردُّد في الكنائس والتزام الزّنار في الأعياد)
"معين الحكَّام فيما يتردَّد بين الخصمين من الأحكام" (ص144)
وقال أبو السعود :
(وإنما عُدَّ لبسُ الغيار وشد الزنار بغير اضطرار ونظائرُهما كفراً لدلالته على التكذيب ، فإن مَنْ صدق النبي عليه السلام لا يكاد يجترىء على أمثال ذلك )، تفسير أبي السعود - (1 / 38)

العلة الثالثة :
كونه من الموالاة للكفار
وهذه العلة كثيرا ما تذكرها اللجنة الدائمة السعودية في فتاواها .
ولا يخفى أن الصالح للتعليل في هذه المسألة هو العلتان الأولى والثانية ‘ أما المسألة الثالثة وهي الموالاة فيستبعد أن تكون صالحة للتعليل لأن موالاة الكفار لا تتحقق بمجرد لبس الصليب بل لا بد من النصرة والإعانة .
فتحصل من أقوال أهل العلم أن لبس الصليب كفر إما لأنه تشبه بالكفار و إما لأنه دليل على الكفر وإرادته .
والفرق بين هاتين العلتين أن العلة الأولى تعني أن لبس الصليب مكفر بذاته والثانية تعني أنه مجرد علامة على الكفر وليس كفرا في نفسه .
والذي يظهر – والله أعلم – من خلال الأدلة أن كلى الوصفين علة في المسألة ‘ فتعليق الصليب كفر لأنه تشبه بالكفار ‘ وكفر لأنه علامة على الكفر والرغبة عن الإسلام .

الترخيص في شد الزنار ولبس الصليب لضرورة الحرب
باعتبار أن العلة في التكفير بلبس الصليب هي كونه علامة على الكفر والرغبة عن الإسلام فلا إشكال في إباحة لبس الصليب للضرورة والحاجة لأن العلة معدومة في هذه الحالة .
وأما باعتبار أن العلة هي التشبه بالكفار فلا بد من النظر في النصوص الشرعية لمعرفة مدى مشروعية هذا الأمر .
ومن خلال التتبع للنصوص نجد أنها ألحقت حالة الحرب بالضرورات التي تباح فيها المحظورات
وأباحت للمجاهدين – مع الحاجة - ارتكاب الكثير من المحاذير الشرعية التي كانت في الأصل ممنوعة .
فتحصل بذالك عدة أدلة عامة بالنسبة لمسألة "لبس الصليب في حالة الحرب إذا احتاج المقاتل إليه" مع وجود أدلة خاصة في المسألة .
وهذا بيان ذالك :
الأدلة العامة
الدليل الأول :
الكذب في الحرب
روى مسلم في صحيحه عن حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أن أمه أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وكانت من المهاجرات الْأُوَلِ اللاتي بايعن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا وينمي خيرا قالت : ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها
قال الخطابي :
(وأما الكذب في الحرب فقد تقدم بيانه وإنما أبيح ذلك لأنه من باب المكيدة في الحرب للإبقاء على النفس وقد أرخص الله للمسلم إذا أكره على الكفر أن يعطي الفتنة بلسانه ويتكلم بها على التقية ذبا عن مهجة نفسه ومحاماة على روحه) غريب الحديث للخطابي - (2 / 165)
وقال ابن حجر في الفتح :
(قال النووي الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى وقال بن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه وليس للعقل فيه مجال ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا )انتهى
فتح الباري - (6 / 159)
الدليل الثاني :
الحرب خدعة
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة من طريق أبي بكر بُور بْن أَصْرَمَ عن عبد الله عن معمر عن همام بن منبه ‘ وجابر بن عبد الله من طريق صدقة بن الفضل عن ابن عيينة عن عمر :
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحرب خَدْعَةٌ
وجه الدلالة من الحديث : حصر النبي صلى الله عليه وسلم الحرب في وصف (خدعة) وهذا الحصر يفيد غاية التأكيد على شدة الحرب للخدعة مثل قوله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة ) .
قال النووي :
(واتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل ).
شرح النووي على مسلم - (12 / 45)
الدليل الثالث :
روى البخاري في صحيحه :
عن عبيد الله بن أبي رافع قال سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه و سلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لَتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لَنُلْقِيَنَّ الثياب فأخرجته من عقاصها ...الحديث
وجه الدلالة من الحديث أنهم أرادوا نزع ثياب المرأة وهددوها بذالك وإنما جازذالك للضرورة .
الأدلة الخاصة
الدليل الأول :
قصة الحجاج بن علاط
روى النسائي في السنن الكبرى :
أنبأ إسحاق بن إبراهيم قال أنبأ عبد الرزاق قال حدثنا معمر قال سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس قال :
(لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط يا رسول الله إن لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وأنا أريد أن آتيهم فأنا في حل إن أنا نلت منك وقلت شيئا فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ).
وجه الدلالة أن أخذ المال من الحربيين من متعلقات الحرب معهم فكان ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للحجاج بن علاط في ذالك القول دليلا في موضوعنا .
الدليل الثاني :
قصّة قتل كَعبِ بن الأشرف
روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( من لكعب بن الأشرف ، فإنه قد آذى الله و رسوله ) ، فقام محمد بن مسلمة ، فقال : يا رسول الله أتحب أن أقتله ؟ قال : ( نعم ) ، قال : فأذن لي أن أقول شيئا . قال : ( قل ) ، فأتاه محمد بن مسلمة ، فقال : إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ، و إنه قد عنانا ، و إني قد أتيتك أستسلفك ، قال : و أيضا و الله لتَمَلُّنَّهُ . قال : إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه ، و قد أردنا أن تُسْلِفَنا وَسَقاً أو وَسَقَيْن .. الحديث .
قال بن حجر :
(وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته) فتح الباري (7 / 340).

أقوال أهل العلم

1- قال الإمام برهان الدين ابن مازة :
(أما المسلم فقد يعقد الزنار على نفسه في دار الحرب لمصلحة ترى في ذلك).
المحيط البرهاني - (2 / 369)
2- قال النووي :
( ولو شد على وسطه زنارا ودخل دار الحرب للتجارة كفر وإن دخل لتخليص الأسارى لم يكفر قلت الصواب أنه لا يكفر في مسألة التمني وما بعدها إذا لم تكن نيه ).
روضة الطالبين - (10 / 69)

3- قال ابن نجيم:
( ويكفر بوضع قلنسوة المجوسي على رأسه على الصحيح، إلا لضرورة دفع الحر أو البرد، وبشد الزنار في وسطه إلا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب. ) البحر الرايق 5/133
4- قال علاء الدين علي بن خليل الطرابلسي (ت : 844هـ):
(ولو شد الزنار على وسطه ودخل دار الحرب قال القاضي أبو جعفر الْأُسْرُوشَنِيُّ : إن فعل لتخليص الأسارى لا يكفر ولو دخل للتجارة يكفر) .
معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام – (2 / 303)
5- وقال عبد الرحمن بن محمد بن سليمان الكليبولي المدعو بشيخي زاده (ت:1078هـ) :
(ويكفر بوضع قلنسوة المجوس على رأسه على الصحيح إلا لتخليص الأسير أو لضرورة دفع الحر والبرد عن البعض وقيل إن قصد به التشبيه يكفر وكذا شد الزنار في وسطه) مجمع الأنهر – (4 / 449).

6-قال الشربيني (ت: 977هـ) في مغني المحتاج عطفا على المسائل غير المكفرة :
(ولا إن شد الزنار على وسطه أو وضع قلنسوة المجوس على رأسه و دخل دار الحرب للتجارة أو لتخليص الاساري).
وكذا قال أبو بكر (المشهور بالبكري) بن محمد شطا الدمياطي (ت: بعد 1302هـ)
في حاشية إعانة الطالبين – (4 / 156)

7- قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
(ومثل ذلك اليوم: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدى الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الحسنة .
فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز الله فيها دينه وجعل على الكافرين فيها الصغار والجزية ففيها شرعت المخالفة) .
اقتضاء الصراط المستقيم 1 / 418 .
وعلى هذا الأمر كان عمل المسلمين في قتالهم مع الكفار .
وقد قال ابن كثير في البداية والنهاية في قصة حصار عكا زمن صلاح الدين :
(وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء فامتلا الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية).
البداية والنهاية – (12 / 412)
وذكر ابن كثير هذه القصة ولم يستنكر شد الزنار فكان ذالك إقرارا منه لهذا الأمر .
مع العلم أن صلاح الدين ومن معه من المجاهدين ما كانوا ليفعلوا ذالك إلا بعد مشورة العلماء .
استنتاج
تبين مما تقدم أن تعليق الصليب من المسائل التي اختلف العلماء في التكفير بها .
وأن القول الراجح –وهو الذي قال به أكثر أهل العلم - أنها مسألة مكفرة .
وأنها تباح للضرورة بالنسبة للمقاتل ومن كان في دار الحرب .

***
أما قياس الدخول في البرلمانت على تعليق الصليب فهو باطل من عدة وجوه :
الوجه الأول :
أن هذه المسألة من باب جواز سبب خاص لعلة خاصة .
فهي تعني إباحة "التظاهر بالكفر" خاصة لأجل "ضرورة الحرب" خاصة ‘ فلا ينبغي إخراج الرخصة عن خصوصها في أي من طرفيها .
فلا نقول بطرد "إباحة التظاهر بالكفر" في كل مصلحة دينية وإنما ينبغي قصرها على مصلحة الحرب خاصة إبقاء للخاص على خصوصه .
ولا نقول بطرد إباحة كل ناقض من نواقض الإسلام لأجل مصلحة الجهاد فضلا عن غيرها من المصالح الدينية .
فلو صالحَنا الكفارُ مثلا على خروجهم من مدينة من مدن المسلمين التي احتلوها مقابل أن نترك الصلاة مثلا أو مقابل أن نحكم بغير ما أنزل الله لما كان ذالك مشروعا لنا مع أنه من ضرورات الحرب .
الوجه الثاني :
تقرر عند أهل العلم في بيان معنى قوله تعالى : {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل : 106] أن ألكفر الصريح لا يباح إلا للضرورة الملجئة فلا يباح لمجرد مصلحة الحرب ولا لغيرها من المصالح الدينية ‘ فدل هذا على أن إباحة التظاهر بالكفر لمصلحة الحرب مسألة خاصة لا يقاس عليها .
الوجه الثالث :
أن قوله تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون : 1 - 6]
فيه إبطال لاستباحة الكفر لأجل مصلحة الدعوة إذ لو كان مشروعا لعمل به النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة لحاجته إليه .
قال بن كثير في تفسير هذه السورة :
(وقيل: إنهم من جهلهم دَعَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: { لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } يعني: من الأصنام والأنداد، { وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } وهو الله وحده لا شريك له. ف "ما" هاهنا بمعنى "من)".
الوجه الرابع :
أن الدخول في البرلمانات لا يأخذ حكم الضرورة وإن كان المقصود منه إقامة شرع الله لأن الله تعالى شرع لهذا الأمر سبيلا واحدا لا يزال مشروعا إلى يوم القيامة هو الجهاد ‘وإقامة شرع الله لا يمكن أن تكون إلا في حالة التمكين التي قال الله تعالى في شأنها : {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج : 41] .
فالساعي إلى تطبيق شرع الله لا بد أن يسعى أولا إلى التمكين .
أما تطبيق شرع الله قبل حصول التمكين فلا هو ممكن واقعا ولا هو مطلوب شرعا .
الوجه الخامس :
أن مصلحة دخول البرلمانات مصلحة وهمية لا يلمع في قاعها إلا السراب .
والمصالح الوهمية لا تقوم لها قائمة بالموازنة مع أدنى المفاسد فكيف تكون مبيحة للشرك ؟
الوجه السادس :
أن دخول البرلمانات أمر مناقض للتوحيد لأنه يعني التحاكم إلى غير شرع الله ويستحيل شرعا وعقلا أن يكون نقيض التوحيد سببا موصلا إلى التوحيد .
ختاما :
فمن المهم التنبه إلى أن ما ذكرنا من الترخيص في لبس الصليب بقصد التمويه في الحرب لا يعني مشروعية ارتكاب الكفر لضرورة الحرب وإنما يعني فقط مشروعية التظاهر بالكفر – الذي اختلف أهل العلم في كونه كفرا – لضرورة الحرب .


والله أعلم
والحمد لله رب العالمين .









أجابه، عضو اللجنة الشرعية :
الشيخ أبو المنذر الشنقيطي

العودة الى الأسئلة



tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net
* إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * في حال عدم ظهور اسم كاتب موضوع " ما " بجوار عنوان موضوعه .. فإن ذلك إما لكون اسم المؤلف غير معروف لدينا .. أو أنه مذيل في نهاية الموضوع !