منتدى الأسئلة
 الجديــد | محـرك البحـث | برنـامج المنبر | خـارطة االمــوقع | تجاوز الحجــــــــب | اتصــل بنــا | English

مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
منبر التوحيد و الجهاد  منتدى الأسئلة   التصنيف الموضوعي للأسئلة  الفرق و المذاهب و الأحزاب  هل الخوارج كفار؟






السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. إلى الشيخ أبي همام الأثري حفظه الله ... سبق وان قرات في كتابك \" الكوكب الدري المنير \" مبحث في حكم الخوارج ، وأن القول في تكفيرهم مرجوح لا يستندل إلى دليل ، لكن وقفت على كتاب لأبي يوسف مدحت بن الحسن آل فراج \" العذر بالجهل \" تقديم الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين وقدم له الشيخ الغنيمان والشيخ عبدالله السعد فقال: \" الأدلة على كفر الخوارج: قلت : وقد قطع كثير من أئمة المحققين بكفرهم كأمثال إمام المحدثين البخاري وشيخ المفسرين الطبري والسبكي وابي بكر العربي والرافعي وقال القرطبي إن القول بتكفيرهم اظهر في الحديث وظاهر الرواية عن أبي سعيد أنه يرى كفرهم وهو قول مشهور في مذهب مالك وأحمد والشافعي ودلالة النصوص تؤيد هذا القول وتنصره \" انتهى كلام الشيخ أبي يوسف مدحت آل فراج واتمنا مراجعة ما كتب بخصوص الخوارج في كتابه \" العذر بالجهل \" صفحه 178 إلى 185 وجزاك الله خيرا

السائل: النبراس

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

أخي السائل:

لقد أطلعت منذ زمن على كتاب "العذر بالجهل تحت المجهر", للشيخ الفاضل أبي يوسف مدحت بن الحسن آل فراج, وهو كتاب طيب في بابه, فيه بعض الهنات التي لا يسلم منها كتاب, حاشا كتاب الله تعالى الذي: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)) [فصلت].

كما اطلعت من قبل على مبحث تكفير الخوارج الذي اختاره الشيخ مدحت وتبناه, ولم يأت بجديد مما كنا قد طالعناه من قبل في مظان الكتب وبطونها, ولله الحمد والمنة, بل لم يزد الشيخ في هذا المبحث على النقل عن "فتح الباري" إلا النزر القليل.

وأنا في كتابي المشار إليه في السؤال –وهو "الكوكب الدري المنير"-, لم أغفل أن هناك من أهل العلم من يرى تكفير الخوارج, ولكني قلت بأنه مرجوح, وأن القول الراجح في المسألة الذي أتبناه وأذب عنه إلى الآن هو: القول بعدم تكفير طائفة الخوارج.

وأيضاً: فإني أنكرت في كتابي الآنف الذكر قول من نسب تكفير الخوارج للإمام البخاري, وقلت –وما زلت أقول- أن الإمام البخاري لم يكفر الخوارج, ولو كفرهم لما روى عنهم في صحيحه.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "المبتدعُ إن كُفِّر ببدعته, فلا إشكال في رد روايته, وإذا لم يكفر؛ فإن استحل الكذب رُدت أيضاً, وإن لم يستحل الكذب, فهل يقبل أم لا؟ أو يُفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ في ذلك نزاع قديم وحديث".اهـ [الباعث الحثيث 1/299].

ثم قال رحمه الله مرجحاً الرواية عن المبتدع ما لم تكن بدعته مكفرة وإن كان داعية, قال: "وهذا البخاري قد خرّج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن مُلجم قاتل عليٍّ, وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة".اهـ [الباعث الحثيث 1/300].

وقال الإمام أبو داود رحمه الله: "ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج, ثم ذكر عمران هذا وغيره".اهـ [هدي الساري ص611].

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وكان عمران داعية إلى مذهبه وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بتلك الأبيات السائرة وقد وثقه العجلي, وقال قتادة: كان لا يتهم في الحديث".اهـ [هدي الساري ص611].

قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: "حدثني محمد بن بشار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عمران بن حطان قال: سألت عائشة عن الحرير فقالت: ائت ابن عباس فسله قال: فسألته فقال: سل ابن عمر قال: فسألت ابن عمر فقال: أخبرني أبو حفص يعني عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة). فقلت: صدق وما كذب أبو حفص على رسول الله صلى الله عليه وسلم".اهـ

وقال أيضاً: "حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام عن يحيى عن عمران بن حطان أن عائشة رضي الله عنها حدثته: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه".اهـ

قال أبو العباس المبرد: "كان عمران رأس القعدية من الصفرية وخطيبهم وشاعرهم".اهـ [هدي الساري ص610].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "عمران هو السدوسي كان أحد الخوارج من القعدية بل هو رئيسهم وشاعرهم, وهو الذي مدح ابن ملجم قاتل علي بالأبيات المشهورة, وأبوه حطان بكسر المهملة بعدها طاء مهملة ثقيلة, وإنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق اللهجة متديناً..".اهـ [فتح الباري 10/357].

وقال الإمام الشهرستاني رحمه الله: "قال عمران بن حطان وهو مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر، في ضربة ابن ملجم لعنه الله لعلي رضي الله عنه‏:‏

يا ضربة من منيب ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه *** أوفى البرية عند الله ميزانا

[ الملل والنحل ص58].

قلت: وكذلك أخرّج لابن حطان هذا؛ الإمام أبو داود في سننه, والإمام النسائي في سننه, وقبلهما إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل في مسنده, وغيرهم.

قال الشيخ شعيب الأرنؤوط تعليقاً على أحد الأحاديث التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده من طريق عمران بن حطان الخارجي: "إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله ثقات رجال الشيخين غير عمران بن حطان فمن رجال البخاري".اهـ [المسند 1/46].

وهنا نكتة علمية, وهي: أن الإمام البخاري رحمه الله قد روى عن خارجي –كما تقدم- في أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى, ولكنه لم يرو عن مرجئ, فتأمل! قال الإمام البخاري رحمه الله: " كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال الإيمان قول".اهـ [رواه اللالكائي 5/959].

وهذا يبين لك أن عدداً من السلف رضوان الله عليهم يرون أن المرجئة شر من الخوارج؛ فعن إبراهيم النخعي رحمه الله, قال: " لفتنة المرجئة أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة".اهـ [رواه عبد الله بن أحمد وغيره]. وعنه قال: " المرجئة أخوف عندي على أهل الإسلام من عدتهم من الأزارقة".اهـ [رواه عبد الله بن أحمد وغيره]. والأزارقة من أشد فرق الخوارج وهم أتباع نافع بن الأزرق. وقال أيضاً رحمه الله: " الخوارج أعذر عندي من المرجئة".اهـ [رواه عبد الله بن أحمد وغيره].

قال أبو همام: ومنشأ الإشكال عند البعض في نسبة القول بتكفير الخوارج للإمام البخاري, هو صنيع البخاري في ترجمته لبعض الأحاديث التي جاءت في الخوارج حيث قال: "باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم". قلت: ففهم البعض أن البخاري يرى بتكفير الخوارج لأنه عطف "الملحدين" على "الخوارج", وليس كذلك, لما قدمناه, فالملحدون الذين عناهم البخاري في ترجمته ليس الذين ينكرون وجود الخالق سبحانه وتعالى كما قد فهم البعض, وإنما هم الذين يفسدون في الأرض بالكبائر الفظيعة ونحوها, كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحج: 25]. قال العماد ابن كثير رحمه الله: "أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار".اهـ [تفسير القرآن العظيم 3/270].

وكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة؛ ملحد في الحرم..) [الحديث؛ أخرجه البخاري]. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة".اهـ [فتح الباري 12/262].

لذلك فإن البخاري لم يرو أي حديث في الباب يخص المشركين فضلاً عن المنكرين لوجود الله تعالى.

وهذا القول الذي أتبناه –أعني عدم تكفير الخوارج- هو قول جماهير أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين؛

قال الإمام ابن بطال رحمه الله: "ذهب جمهور العلماء، إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين، لقوله – أي في الحديث- (يتمارى في الفوق) لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الإسلام، لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين، قال: وقد سئل علي عن أهل النهر، هل كفرواً؟ فقال: من الكفر فروا".اهـ [فتح الباري 12/375].

قال شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي فك الله أسره: "وقول علي هذا مروي من طرق يعضد بعضها بعضا، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (15/332) عن طارق ابن شهاب قال كنت عند علي فسئل عن أهل النهر أهم مشركون؟ قال: "من الشرك فروا". قيل: فمنافقون هم؟ قال: "إن المنافقين لا يذكرون إلا قليلا"، قيل: فما هم؟ قال: "قوم بغوا علينا".اهـ [الرسالة الثلاثينية ص553].

بل ادعى الإمام الخطابي الإجماع على عدم تكفير الخوارج, فقال رحمه الله: "أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم، فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام".اهـ [فتح الباري 12/375].

وقال الإمام النووي رحمه الله: "ومذهب الشافعي وجماهير أصحابه العلماء أن الخوارج لا يكفرون".اهـ [شرح صحيح مسلم 7/225].

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق, وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام, وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك".اهـ [فتح الباري 12/375].

وأما الأدلة التي استدل بها الشيخ مدحت وغيره على تكفير الخوارج, فليست صريحة في تكفيرهم وإخراجهم من الملة, وإلا لفهم ذلك الصدر الأول رضوان الله عليهم؛ قال القاضي عياض رحمه الله في أثناء بيان معاملة السلف للخوارج وغيرهم من أهل البدع: "فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد منهم ميراثاً، لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم".اهـ [الشفا 2/295].

فنحن نفهم تلك الأدلة المحذرة من مذهب الخوارج الزاجرة لهم ولطريقتهم كما فهمها السلف, ولا نزيد عليهم..

فقوله صلى الله عليه وسلم: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم) معناه: "لا تفقهه قلوبهم, ولا ينتفعون بما تلوا منه, ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق إذ بها تقطيع الحروف".اهـ [انظر: شرح صحيح مسلم للنووي رحمه الله 7/224].

فالخوارج وإن كانوا قراء إلا أنهم لا يفقهون ولا يفهمون كثيراً من المسائل, ولذلك ضلوا فيها, ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (سفهاء الأحلام) قال العظيم آبادي: "ضعاف العقول".اهـ [عون المعبود 13/42].

ومناظرة ابن عباس رضي الله عنهما الشهيرة لهم, تكشف بجلاء مدى بلادتهم وقلة فهمهم وفقههم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) فقد فسر بعض أهل العلم كالإمام الخطابي رحمه الله الدين بـ: "الطاعة", ولكن قوله مرجوح بورود الحديث بروايات أخرى تبين المقصود, كرواية: (يمرقون من الإسلام), ورواية: (يمرقون من الحق).

قلت: ومعنى ذلك –والله أعلم- أي بسبب بدعتهم تلك فإنهم لا يثبتون, بل ينتكسون ويرتدون –والعياذ بالله- إما بسبب أو بدون سبب, وهذا ديدن أهل الضلال عامة من خوارج وغيرهم, ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه من قصته الشهيرة مع هرقل, وفيها أن هرقل قال: "وسألتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون وكذلك الإيمان حتى يتم".اهـ

وأما إناطة تكفير الخوارج على تكفيرهم للصحابة وأن ذلك يؤدي إلى رد القرآن لأن الصحابة هم من نقلوه لنا –كما بين الشيخ مدحت-, فيجاب على ذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن هذا المناط ينزل على من كفر جمهور الصحابة لا آحادهم, وأغلب أهل العلم الذين ذكروا هذا المناط إنما ذكروه في سياق كلامهم عن الرافضة لا الخوارج؛ فإن الخوارج يكفرون بعض الصحابة.

الوجه الثاني: إن هذا المناط إنما هو من جنس التكفير باللازم والمآل, ومعروف تقعيد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.

قال الإمام النووي رحمه الله: "قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قال المازري: اختلف العلماء في تكفير الخوارج... وأنا أكشف لك نكتة الخلاف وسبب الإشكال, وذلك أن المعتزلي مثلاً يقول: إن الله تعالى عالم ولكن لا علم له, وحي ولا حياة له, يوقع الالتباس في تكفيره, لأنا علمنا من دين الأمة ضرورة أن من قال: إن الله تعالى ليس بحي ولا عالم كان كافراً, وقامت الحجة على استحالة كون العالم لا علم له فهل نقول: إن المعتزلي إذا نفى العلم نفى أن يكون الله عالماً وذلك كفر بالإجماع ولا ينفعه اعترافه بأنه عالم مع نفيه أصل العلم؟ أو نقول: قد اعترف بأن الله تعالى عالم وإنكاره العلم لا يكفره وإن كان يؤدي إلى أنه ليس بعالم؟ فهذا موضع الإشكال. هذا كلام المازري".اهـ [شرح صحيح مسلم 7/225].

وإن مجرد الأمر بقتال الخوارج, وقتال السلف لهم, لا يلزم من ذلك تكفيرهم بالضرورة! إذ أن علة القتال في الشريعة الإسلامية ليست التكفير فحسب؛

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لو أن قوماً أظهروا رأي الخوارج, وتجنبوا جماعة المسلمين وكفّروهم, لم تحل بذلك دماؤهم ولا قتالهم؛ لأنهم على حرمة الإيمان, حتى يصيروا إلى الحال التي يجوز فيها قتالهم من خروجهم إلى قتال المسلمين وإشهارهم السلام وامتناعهم من نفوذ الحق عليهم, وقال: بلغنا أن علي بن أبي طالب بينما هو يخطب إذ سمع تحكيما من ناحية المسجد فقال: ما هذا؟ فقيل: رجل يقول: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل, لا نمنعهم مساجد الله أن يذكروا فيها اسم الله, ولا نمنعهم الفيء ما كانت أيديكم من أيدينا, ولا نبدؤكم بقتال".اهـ

قلت: تأمل قول علي رضي الله عنه: "لا نمنعهم الفيء".اهـ وقوله المتقدم: "من الكفر فروا".اهـ فهذا يبين لك أن أفقه الناس بهم؛ الذي باشر قتالهم, يرى عدم تكفيرهم.. ثم تأمل قول الإمام الشافعي رحمه الله: "لأنهم على حرمة الإيمان".اهـ

"وأسند –أي الطبري- عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في الخوارج بالكف عنهم "ما لم يسفكوا دماً حراماً (أو) يأخذوا مالاً, فإن فعلوا فقاتلوهم ولو كانوا ولدي", ومن طريق ابن جرير؛ قلت لعطاء: ما يحل في قتال الخوارج؟ قال: إذا قطعوا السبيل, وأخافوا الأمن. وأسند الطبري عن الحسن أنه سُئل عن رجل كان يرى رأي الخوارج ولم يخرج؟ فقال: العمل أملك بالناس من الرأي".اهـ [فتح الباري 12/374, وما بين القوسين من تصرفي].

وقال الإمام النووي رحمه الله: "قال القاضي: أجمع العلماء على أن الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأي الجماعة وشقوا العصا وجب قتالهم بعد إنذارهم, والاعتذار إليهم. قال الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله), لكن لا يجهز على جرحهم ولا يتبع منهزمهم, ولا يقتل أسيرهم, ولا تباح أموالهم, وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يقاتلون, بل يوعظون ويستتابون من بدعتهم وباطلهم".اهـ [شرح صحيح مسلم 4/184].

وقال الإمام إسماعيل بن إسحاق رحمه الله: "رأى مالك قتل الخوارج وأهل القدر من أجل الفساد الداخل في الدين, وهو من باب الفساد في الأرض وليس إفسادهم بدون فساد قطاع الطريق والمحاربين للمسلمين على أموالهم فوجب بذلك قتلهم, إلا أنه يرى استتابتهم لعلهم يراجعون الحق فإن تمادوا قتلوا على إفسادهم لا على كفر".اهـ

قلت: تأمل قوله: "لا على كفر", فهذا صريح في أن الإمام مالك لا يرى ردة الخوارج فيما نسبه له الإمام إسماعيل بن إسحاق وعنه الإمام ابن عبد البر المالكي رحمه الله, فلعل من نسب القول بتكفير الخوارج للإمام مالك رحمه الله تأول القول بـ "استتابتهم", وظنه يريد الاستتابة من الكفر, بينما هي الاستتابة من البدعة والباطل, كما مر معنا من كلام الإمام النووي رحمه الله.

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله بعدما نقل كلام الإمام إسماعيل: "هذا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم, ومنهم من يقول لا يتعرض لهم ياستتابة ولا غيرها ما استتروا ولم يبغوا ويحاربوا, وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما, وجمهور أهل الفقه, وكثير من أهل الحديث".اهـ [انظر: التمهيد 1/458].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله –بعد طول نظر في حال الخوارج, ومعاملة السلف لهم-: "وقتال علي للخوارج، ليس مثل القتال يوم الجمل وصفين. فكلام علي وغيره في الخوارج. يقتضي أنهم ليسوا كفاراً كالمرتدين عن أصل الإسلام، وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفين، بل هم نوع ثالث، وهذا أصح الأقوال الثلاثة فيهم".اهـ [مجموع الفتاوى 28/283].

وأخيراً: فأنني بينت في كتابي المشار إليه في السؤال أن هناك بعض الفرق من الخوارج لا خلاف في تكفيرها, لما ارتكبته من مناطات مكفرة كمن "أنكر الصلوات الخمس وقال: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي, ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت, ومنهم من أنكر سورة يوسف من القرآن" [انظر: فتح الباري 12/356].

وقد جاء في كتاب "الفرق بين الفرق" ذكر طائفتين منهم ارتكبوا نواقض صريحة, وهما:

"أ- اليزيدية: وهم أتباع يزيد بن أنيسة الخارجي، وكان إباضياً، ثم ادعى أن الله سبحانه سيبعث رسولاً من العجم ينزل عليه كتاب ينسخ الشريعة المحمدية.

ب- الميمونية: وهم أتباع ميمون العجردي، وقد أباح نكاح بنات الأولاد، وبنات أولاد الإخوة والأخوات. وقال في علة ذلك أن القرآن لم يذكرهن من المحرمات، وروي عن هؤلاء الميمونية أنهم أنكروا سورة يوسف، ولم يعدوها من القرآن، لأنها قصة غرام في زعمهم، فلا يصح أن تضاف إلى الله، فقبحهم الله تعالى لسوء ما يعتقدون".اهـ والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية :
الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

العودة الى الأسئلة



tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net
* إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * في حال عدم ظهور اسم كاتب موضوع " ما " بجوار عنوان موضوعه .. فإن ذلك إما لكون اسم المؤلف غير معروف لدينا .. أو أنه مذيل في نهاية الموضوع !