منبر التوحيد و الجهاد - قراءة مادة: الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير
 الجديــد | محــرك البحــث | برنامج المنبر| خارطة الموقع | اتصل بنا | تجاوز الحجب | المنتــدى | English
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة عقيدة أهل الجنة الإيمان والكفر التحذير من الغلو في التكفير الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير

الرسالة الثلاثينية في التحذير من الغلو في التكفير
Share


                        الكاتب : أبو محمد المقدسي
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة

Notice: Undefined index: str in /ide/tawhed/public_html/r1 on line 547

Notice: Undefined index: str in /ide/tawhed/public_html/r1 on line 547

فصل : في شروط وموانع وأسباب التكفير
هذا واعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن لهذا الحكم الشرعي الخطير … شروطاً وموانع وأسباباً يجب عليك مراعاتها والإنتباه إليها ومعرفتها فقد قصر في فهمها وتعلمها واعتباراها أقوام ، فأعملوا سيوف التكفير وأسنته في أمة محمد صلى الله عليه وسلم … ولم يميزوا بين برها وفاجرها وكافرها ..
مع أنه من المعلوم المقرر عند العلماء المحققين ، ( أن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك ، لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين ، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع ..)(1)

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ( أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولاً يطلق ، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية ، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله ، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير ، وتنتفي موانعه ..) أهـ .من مجموع الفتاوي (35/101)
وقد ذكر رحمه الله تعالى (12/266) أصلين عظيمين في باب التكفير :

- أحدهما : أن العلم والإيمان والهدى فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن خلاف ذلك كفر على الإطلاق ، فنفي الصفات كفر ، والتكذيب بأن الله يُرى في الآخرة ، أو أنه على العرش أو أن القرآن كلامه أو أنه كلم موسى أو أنه اتخذ ابراهيم خليلا؛ كفر…

- والأصل الثاني : أن تكفير العام – كالوعيد العام – يجب القول بإطلاقه وعمومه ، وأما الحكم على المعين بأنه كافر ، أو مشهود له بالنار ، فهذا يقف على الدليل المعين ، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه ، وانتفاء موانعه …) أهـ

كما ذكر رحمه الله تعالى نزاع المتأخرين في كفر الجهمية ونحوهم ، هل هو كفر ناقل عن الملة أم لا ، ونزاعهم في خلودهم في النار .. ثم قال : ( وحقيقة الأمر أنهم أصابهم في ألفاظ العموم في كلام الأئمة ما أصاب الأولين في ألفاظ العموم في نصوص الشرع، كلما رأوهم قالوا : ( من قال كذا فهو كافر ) اعتقد المستمع أن هذا اللفظ شامل لكل من قاله ، ولم يتدبروا أن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين ، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع ، يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه …)
ثم ذكر مباشرة الإمام أحمد للجهمية الذين فتنوا الناس على القول بخلق القرآن ، و ذكر تعذيبهم له ولغيره .. ثم بين دعاء الإمام أحمد للخليفة واستغفاره لمن ضربه وحبسه .. قال : ( ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الإستغفار لهم ، فإن الإستغفار للكفار لا يجوز …) إلى قوله :
(… وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية ، الذين يقولون القرآن مخلوق ، وإن الله لا يرى في الآخرة ، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قوماً معينين ، فإما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر .
أو يحمل الأمر على التفصيل ، فيقال من كفره بعينه فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير ، وانتفت موانعه ، ومن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه ،(2) هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم ) أهـ مجموع الفتاوى (12/261-262) .
ثم شرع في سرد الأدلة على بعض موانع التكفير ..

أضف إلى هذا أن الشارع قد ربط الأحكام الشرعية – ومن ذلك التكفير- بأسبابها الظاهرة المنضبطة وجوداً وعدماً .. فالحكم في الشريعة يدور مع علته أو سببه حيث دار ، ولا يوجد إلا بوجوده ..
ولكي تكون على البينة من دينك في هذا الأمر الخطير ، فها أنا أسرد لك هنا شروط وموانع وأسباب التكفير على وجه الإجمال ، وسيأتي المزيد من التفصيل والتمثيل لذلك في فصل أخطاء التكفير ، إذا هو تطبيق وتفصيل لذلك .

شروط وموانع التكفير


أولاً : الشـروط :
- الشرط شرعاً : (هو ما لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ، لكن يلزم من عدمه عدم المشروط ).
أو قل ، هو في موضوعنا ، ما يتوقف وجود الحكم بالتكفير على وجوده ، فلا يلزم من وجوده وجود الحكم ، ولكن يلزم من عدمه عدم الحكم بالتكفير أو بطلانه .
فالإختيار مثلاً ، شرط من شروط التكفير ، (وهو يقابل مانع الإكراه ) ، فإذا عدم الإختيار عدم الحكم بالتكفير ، ولا يلزم من وجود الإختيار أن يقع المرء بالكفر ويختاره .

وتنقسم شروط التكفير ، ثلاثة أقسام :
- القسم الأول : شروط في الفاعل ؛ وهي أن يكون :
1- مكلفاً (بالغاً ،عاقلاً )
2- متعمداً قاصداً لفعله .
3- مختاراً له بإرادته .
وهذا القسم سيأتي الكلام عليه فيما يقابله من الموانع ، إذا الموانع تقابل الشروط كما سيأتي .

القسم الثاني : شروط في الفعل (الذي هو سبب الحكم وعلته)
ويجمعها ؛ أن يكون الفعل مكفراً بلا شبهة :
1- أن يكون فعل المكلف أو قوله صريح الدلالة على الكفر .
2- وأن يكون الدليل الشرعي المكفر لذلك الفعل أو القول صريح الدلالة على التكفير أيضاً ..
وهذا القسم بشرطيه سيأتي بيانه وذكر أمثلة عليه في ( أخطاء التكفير ) في التكفير بالمحتملات .

- القسم الثالث : شروط في إثبات فعل المكلف ، وذلك بأن يثبت بطريق شرعي صحيح ، لا بظن ، ولا بتخرص ولا بالاحتمالات أو بالشكوك ..
- ويكون ذلك :
- أما بالإقرار ، أي الإعتراف .
- أو بالبينة : شهادة عدلين .
وسيأتي الكلام عليه في أخطاء التكفير أيضاً

ثانياً : الموانع :
- فالمانع وصف ظاهر منضبط يلزم من وجوده عدم الحكم ، ولا يلزم من عدمه وجود الحكم أو عدمه )

- فالإكراه مانع من موانع التكفير ، فيلزم من وجوده –أي إن أكره المرء على الكفر – عدم الحكم بالكفر أو بطلانه ، ولا يلزم من عدم وجود الإكراه أن يوجد ، أو لا يوجد الكفر .. أي : لا يلزم في حال اختيار المكلف وعدم وقوعه تحت الإكراه ، أن يفعل أو لا يفعل الكفر ، بل قد يفعل أو قد لا يفعل .
وبتعبير آخر ، المانع ( هو الوصف الوجودي الظاهر المنضبط الذي يمنع ثبوت الحكم )(3)

- والموانع ضد الشروط ، أو مقابلة لها ، فيجوز أن يكتفى في الذكر بالموانع وحدها ، أو بالشروط وحدها، فما كان عدمه شرطاً فوجوده مانع .

- فعدم الشرط مانع من موانع الحكم ، وعدم المانع شرط من شروطه ، هذا عند جمهور الأصوليين.(4)

- ولذلك فالموانع أيضاً تنقسم كالشروط إلى ثلاثة أقسام ، تقابل تماماً أقسام الشروط :

القسم الأول : موانع في الفاعل :

وهي ما يعرض له فيجعله لا يؤاخذ بأقواله وأفعاله، وهي التي تعرف (بعوارض الأهلية ) وهي قسمان :

-أ – عوارض يسمونها سماوية لأنها لا دخل للعبد في كسبها ، كالصغر والجنون والعته والنسيان، فهذه العوارض ترفع الإثم والعقوبات عن صاحبها لارتفاع خطاب التكليف عنه بها .
وإنما يؤاخذ بحقوق العباد ، كقيم المتلفات والديات ونحوها ، لأنه من خطاب الوضع.

ويقابل هذه العوارض أو الموانع من الشروط :
شرط البلوغ ويقابل عارض الصغر
وشرط العقل ويقابل الجنون والعته
وشرط العمد ويقابل النسيان .

-ب- عوارض مكتسبة : وهي التي للعبد نوع اختيار في اكتسابها :

(1) الخطأ : بما يؤدي إلى سبق اللسان ( أي : انتفاء القصد) فينطق بالكفر وهو لا يقصد ولا يريد القول أو العمل المكفر نفسه ، بل يقصد شيئاً غيره .
وهذا العارض أو المانع يبطل ما يقابله من شرط العمد .
ودليله قوله تعالى (( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن ما تعمدت قلوبكم)) (50) الأحزاب ، ويدل عليه أيضاً حديث الرجل الذي أضل راحلته في أرض قفر ، فلما وجدها قال : ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك) ( أخطأ من شدة الفرح) كما قال صلى الله عليه وسلم .(5)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين – وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة ، وتبين له المحجة ، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة ) أهـ مجموع الفتاوي (12/250)
وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى في اعلام الموقعين (3/65-66) عن هذا المانع وقرر أن انتفاء القصد مانع من موانع التكفير المعتبرة ، واستدل بقول حمزة رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : ( هل أنتم إلا أعبد لأبي )(6) قال : ( وكان نشواناً في الخمر ، فلم يكفره صلى الله عليه وسلم بذلك ، وكذلك الصحابي الذي قرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، ونحن نعبد ما تعبدون ) وكان ذلك قبل تحريم الخمر (7) . ولم يعد بذلك كافراً لعدم القصد ، وجريان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه .
فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه ، فتجني عليه وعلى الشريعة وتنسب إليها ما هي بريئة منه .) أهـ ص66
وقال أيضاً فيه (3/117) : ( ولم يرتب { أي الشارع } تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علماً ، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ، ما لم تعمل به أو تكلم به ، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به ، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه ، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم ، هذه قاعدة شرعية وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته ) أهـ

• فائدة : يمكن أن يستدل لمانع (انتفاء القصد ) أيضاً بما هو ثابت من اغتفار ما صدر عن بعض نساء النبي صلى الله عليه و سلم بحقه بدافع الغيرة ؛ من أقوال لا يجوز لأحد إطلاقها بحقه صلى الله عليه وسلم.

- فمن ذلك ما رواه البخاري في باب ( هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد ) من كتاب النكاح ، وفيه أنه لما نزل قوله تعالى (( ترجي من تشاء منهن )) : قالت عائشة : ( يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك ) .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ( أي في رضاك ، قال القرطبي هذا القول أبرزه الدلال والغيرة وهو من نوع قولها : (ما أحمدكما ولا أحمد إلا الله ) وإلا فإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تحمل على ظاهره لأنه لا ينطق عن الهوى ولا يفعل بالهوى . ولو قالت إلى مرضاتك لكان أليق ، ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك ) أهـ .

- ومثله ما رواه أيضاً في كتاب الهبة وفضلها ، باب (من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض ) وفيه قول زينب بنت جحش للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن نساءك ينشدنك الله ، العدل في بنت أبي قحافة …) فليس هذا من جنس الطعن والأذى الذي كان دافعاً لذي الخويصرة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إعدل ) .
بل الدافع هنا فرط محبة النبي صلى الله عليه وسلم والغيرة التي جبلت عليها النساء .. والشح بحظهن منه .
قال الحافظ : ( طلبت العدل مع علمها بأنه أعدل الناس ولكن غلبت عليها الغيرة ولم يؤاخذها النبي صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك ) أهـ .
وقد حكى القاضي عياض في الإكمال عن مالك وغيره ، إن المرأة إذا رمت زوجها بالفاحشة ، على جهة الغيرة لا يجب عليها الحد ، قال واحتج بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : ( وما تدري الغيراء أعلى الوادي من أسفله ) أهـ من الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص61 .
ويتبع هذا المانع ( إنتفاء القصد ) قول الكفر على سبيل الحكاية عن الغير .

- كمن يقرأ كلام الكفار الذي قصه الله تعالى في كتابه ، وقد أمر الله بتلاوة كتابه ، فلا يكفر قارئ ذلك قطعا بل يؤجر .

- وكنقل الشاهد ما سمعه من كفر للقاضي أو غيره .

- وكنقل مقالات الكفار لبيان ما فيها من الفساد أو للرد عليها ، فكل ذلك جائز أو واجب لا يكفر قائله ، ولهذا يقال : (ناقل الكفر ليس بكافر ) بخلاف من حكاه ونقله على سبيل النشر أو الإشاعة على سبيل الإستحسان والتأييد فهذا كفر لا ريب .

قال القاضي عياض تعليقاً على حديث مسلم في الذي انفلتت منه ناقته وعليها طعامه وشرابه في مهلكة ، ثم لما ردها الله عليه ( أخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح ) قال : ( فيه أن ما ناله الإنسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به ، وكذا حكايته عنه على طريق علمي ، وفائدة شرعية ، لا على الهزل والمحاكاة والعبث ، ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولو كان منكراً ما حكاه والله اعلم)أهـ (9)
وقرائن الحال لها دخل في التفريق والتميز بين هذه الأحوال .
قال القاضي عياض ( أن يقول القائل ذلك حاكياً عن غيره وأثراً له عن سواه ، فهذا ينظر في صورة حكايته مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه : الوجوب ، والندب ، والكراهة ، والتحريم ) أهـ الشفا(2/997-1003)

وقال ابن حزم : ( الإقرار باللسان دون عقد القلب لا حكم له عند الله عز وجل ، لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكياً وقارئاً له في القرآن ، فلا يكون بذلك كافراً حتى يقر أنه عقده . قال : فإن احتج بهذا أهل المقالة الأُول - يعني المرجئة والجهمية – وقالوا هذا يشهد بأن الإعلان بالكفر ليس كفرا ، قلنا له وبالله تعالى التوفيق : قد قلنا إن التسمية ليست لنا ، وإنما هي لله تعالى ، فلما امرنا تعالى بتلاوة القرآن ، وقد حكا لنا فيه قول أهل الكفر ، وأخبرنا تعالى انه لا يرضى لعباده الكفر ؛ خرج القارئ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رضى الله عز وجل والإيمان ، بحكايته ما نص الله تعالى .
{ و لما أمر الله تعالى } (10) بأداء الشهادة بالحق فقال تعالى : ((إلا من شهد بالحق وهم يعلمون )) خرج الشاهد المخبر عن الكافر بكفره عن أن يكون بذلك كافرا ؛ إلى رضى الله عز وجل والإيمان … ) أهـ. من الفصل ( 3/249-250)

- ومن ذلك أيضاً أن يتكلم الإنسان بكلام أو ينطق لفظاً لا يعرف معناه فإنه لا يؤاخذ بذلك حتى يعرف فيتكلم به قاصداً بمعناه بعد قيام الحجة ..
ففي (قواعد الأحكام في مصالح الأنام ) للعز بن عبد السلام ( فصل فيمن أطلق لفظاً لا يعرف معناه لم يؤاخذ بمقتضاه ) قال رحمه الله : ( فإذا نطق الأعجمي بكلمة كفر أو إيمان أو طلاق أو إعتاق أو بيع أو شراء أو صلح أو إبراء لم يؤاخذ بشيء من ذلك ، لأنه لم يلتزم مقتضاه ولم يقصد إليه ، وكذلك إذا نطق العربي بما يدل على هذه المعاني بلفظ أعجمي لا يعرف معناه ، فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك ، لأنه لم يريده فإن الإرادة لا تتوجه إلا إلى معلوم أو مظنون ، وإن قصد العربي بنطق شيء من هذه الكلم مع معرفته بمعانيها نفذ ذلك منه ، فإن كان لا يعرف معانيها ، مثل أن قال العربي لزوجته أنت طالق للسنة أو للبدعة وهي حامل(11) بمعنى اللفظين ، أو نطق بلفظ الخلع أو غيره أو الرجعة أو النكاح أو الإعتاق وهو لا يعرف معناها مع كونه عربياً فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك ، إذ لا شعور له بمدلوله حتى يقصد إلى اللفظ الدال عليه ) أهـ .(2/102).

وانظر أيضاً لابن القيم في إعلام الموقعين (3/75):( لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لم يكفر) .
حيث قال وهو يتكلم في إطلاق ألفاظ الطلاق وأهمية وجود القصد فيها لنفاذ الطلاق : ( وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدا لها مريدا لموجباتها ،كما أنه لا بد أن يكون قاصداً للتكلم باللفظ مريداً له ، فلا بد من إرادتين :

- إرادة التكلم باللفظ اختياراً (12)
- وإرادة موجبه ومقتضاه . (13)

بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ ، فإنه المقصود ، واللفظ وسيلة ، وهو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام ) ، إلى قوله : ( وقال أصحاب أحمد لو قال الأعجمي لامرأته أنت طالق وهو لا يفهم معنى هذا اللفظ ، لم تطلق ، لأنه ليس مختاراً للطلاق ، فلم يقع طلاق كالمكره ، قالوا : فلو نوى موجبه عند أهل العربية(14) لم يقع أيضاً لأنه لا يصح منه اختيار ما لا يعلمه ، وكذلك لو نطق بكلمة الكفر من لا يعلم معناها لا يكفر. وفي مصنف وكيع أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني ، فسماها الطيبة ، فقالت : لا ، فقال لها ماذا تريدين أن أسميك ؟ قالت: سمني (خلية طالق) . فقال لها : أنت خلية طالق ، فأتت عمر بن الخطاب فقالت : إن زوجي طلقني ، فجاء زوجها فقص عليه القصة ، فأوجع عمر رأسها ، وقال لزوجها : خذ بيدها وأوجع رأسها .

وهذا هو الفقه الذي يدخل على القلوب بغير استئذان ، وإن تلفظ بصريح الطلاق وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته ( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) أخطأ من شدة الفرح ، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر ، لكونه لم يرده ) أهـ (3/76) وانظر أيضاً (4/229)

تنبيه :
ومن هذا تعرف أننا لا نعني بانتفاء القصد كمانع ما يشترطه كثير من مرجئة العصر كشرط تعجيزي للتكفير ، يعتذرون به لكل طاغوت وزنديق ومرتد ، وهي دعوى ان الإنسان لا يكفر حتى وإن اتى فعلاً أو قولاً مكفراً –عامداً – حتى ينوي ويقصد بذلك الخروج من الدين والكفر به .
وإنما نعني بمانع انتفاء القصد ؛ ( الخطأ ) الذي يقابل العمد في شروط التكفير ، أو عدم إرادة الفعل أو القول المكفر نفسه ، وإرادة شيء آخر غيره … كحكايته والتحذير منه، أو يقوله وهو لا يعرف مدلوله ونحو ذلك مما تقدم ..
أما إرادة الخروج من الدين ، والكفر بذلك الفعل أو القول ، فقّل من يريده أو يصرح به أو يقصده ، حتى اليهود والنصارى ، لو سئلوا ؛ هل يريدون الكفر ويقصدونه بقولهم إن المسيح أو العزيز ابن الله ، أو نحو ذلك من كفرياتهم ؟ لأنكروا ذلك ولنفوا إرادتهم للكفر ..
وكذلك حال كثير من الكفار الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا .. فأكثر الطواغيت وأنصارهم اليوم ، إذا ما عددنا عليهم كفرياتهم ، أنكروا ذلك ، وأبوا أن يقروا بالكفر أو بإرادته أو بقصد الخروج من الدين ، بل يبادرون بتأكيد انهم مسلمون ، ويحتجون بأنهم يصلون ويشهدون أن لا إله إلا الله …
وكذلك شأن كفار قريش ، لم يقروا قط بكفرهم ، أو بإرادتهم للكفر بعبادتهم للأوثان بل قالوا ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )) .. وعلى العكس ، فقد كانوا يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن على دينه بالكفر ، فسموه (الصابئ ) وهكذا حال أكثر الكفار إلا ما شاء الله ..

-كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177-178 : (وبالجملة فمن قال وفعل ما هو كفر ، كفر بذلك ، وإن لم يقصد أن يكون كافراً ، إذا لا يقصد الكفر أحداً إلا ما شاء الله ) أهـ .

وقال أيضاً فيه ص(370) : ( والغرض هنا أنه كما أن الردة تتجرد عن السب ، فكذلك تتجرد عن قصد تبديل الدين وإرادة التكذيب بالرسالة ، كما تجرد كفر إبليس عن قصد التكذيب بالربوبية ؛ وإن كان عدم هذا القصد لا ينفعه ، كما لا ينفع من قال الكفر أن لا يقصد الكفر ) أهـ .
وقد اخبر الله تعالى عن اكثر الكفار أنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، بل يرون أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا .
فمن ذلك قوله تعالى : (( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا ، أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)) (103-105) الكهف .

- يقول ابن جرير الطبري في تفسيره : ( وهذا من أدل الدلائل على خطأ من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته ..)
إلى قوله : ( ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعة مثابين مأجورين عليه ، ولكن القول بخلاف ما قالوا ؛ فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة وأن أعمالهم حابطة ) أهـ ص 44-45 .(ط . دار الفكر )

- وقال رحمه الله تعالى في تهذيب الآثار بعد أن سرد بعض الأحاديث التي تذكر الخوارج: ( فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالماً ) أهـ نقلاً عن فتح الباري ( كتاب استتابة المرتدين ..) (باب من ترك قتال الخوارج..)

- وقال ابن حجر في الباب نفسه : ( وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ، ومن غير أن يختار ديناً على الإسلام ) أهـ
وسيأتي مزيد كلام على هذا في فصل أخطاء التكفير .

- والخلاصة هنا ؛ أن العبرة في اشتراط العمد والقصد وانتفاءه كمانع من موانع التكفير أن يقصد إتيان الفعل المكفر ، لا أن يقصد الكفر به .

(2) التأويل :
والمراد به هنا وضع الدليل الشرعي في غير موضعه باجتهاد ، أو شبهة تنشأ عن عدم فهم دلالة النص ، أو فهمه فهما خاطئا ظنه حقا ، أو ظن غير الدليل دليلا ، كالاستدلال بحديث ضعيف ظنه صحيحا ، فيقدم المكلف على فعل الكفر وهو لا يراه كفرا ، فينتفي بذلك ؛ (شرط العمد ) ، ويكون الخطأ في التأويل مانعاً من التكفير ، فإذا أقيمت الحجة عليه وبين خطؤه فأصر على فعله كفر حينئذ .

ودليل هذا إجماع الصحابة على اعتبار هذا النوع من التأويل من باب الخطأ الذي غفره الله تعالى بالأدلة المتقدمة – وذلك في حادثة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر مع جماعه مستدلاً بقوله تعالى :(( ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين )) 93 المائدة ، كما روى ذلك عبد الرزاق في مصنفه … وكان قدامة قد استعمله عمر على البحرين ، فلما شهد عليه أبو هريرة وغيره وشهدت معهم امرأة قدامة أيضاً أنه شرب الخمر أحضره عمر وعزله ، ولما أراد أن يحده استدل بالآية المذكورة فقال عمر : أخطأت التأويل ( أخطأت استك الحفرة )… قال ابن تيمية في الصارم : ( حتى أجمع رأي عمر وأهل الشورى أن يستتاب هو وأصحابه ، فإن أقروا بالتحريم جلدوا وإن لم يقروا به كفروا ) أهـ ص530 … ثم إن عمر بين له غلطه وقال له : ( أما إنك لو اتقيت لاجتنبت ما حرم عليك ، ولم تشرب الخمر ..)
فرجع ، ولم يكفره بذلك ، بل اكتفى بإقامة حد الخمر عليه ، ولم يخالفه أحد من الصحابة بذلك .

وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك ، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر وأمثال ذلك ، فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم فإن أصروا كفروا حينئذ ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل ) أ هـ . مجموع الفتاوي (7/609-610)

ويقول أيضاً : ( فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر ، بل قد جعل الله لكل شيء قدراً ) أهـ مجموع الفتاوي (3/180)
فمذهب السلف عدم تكفير المتأولين من أهل القبلة ..
أهل القبلة يدخل فيهم اضافة إلى المسلم السني ؛ الفاسق الملي أهل الأهواء أهل التأويل ..
اما الخوارج والمعتزلة ومن سار على دربهم كالزيدية وبعض المتكلمين كالشهرستاني في الملل والنحل فلا يدخلون المتأولين في أهل القبلة .

وقد تقدم ما نقله القاضي عياض في (فصل تحقيق القول في إكفار المتأولين ) من كتابه الشفا (2/277) عن العلماء المحققين قولهم : ( إنه يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل ، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر ... ) وستأتي الإشارة إلى ما ذكره أيضا في الشفا عمن لا يكفر من أضاف إلى الله ما لا يليق به لا على جهة السب والردة ، ولكن على طريق التأويل أونفي الصفة بدعوى التنزيه ونحوه ..
ويقول ابن الوزير : ( قوله تعالى في هذه الاية الكريمة (( ولكن من شرح بالكفر صدراً )) يؤيد أن المتأولين غير الكفار ، لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعا أو ظناً ، أو تجويزاً أو احتمالاً )اهـ . إيثار الحق على الخلق ص (437)

وأما ما يدفع به بعض الزنادقة والملاحدة ، كفرهم الصريح من سفسطة وتمويه وتلاعب بالدين ، فهو وإن سماه بعض الجهلة تأويلاً .. إلا انه مردود وغير مستساغ ولا مقبول ، وذلك لصراحة كفرهم ووضوحه .. والعبرة للمعاني والحقائق ، لا للأسماء والألفاظ التي يتلاعب بها كثير من أهل الأهواء .. فكم من باطل زخرفه أصحابه ليعارض به الشرع .
ولذلك نقل القاضي عياض في الشفا قول العلماء : ( إدعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل ) أهـ (2/217)
ونص عليه شيخ الإسلام في الصارم المسلول ص (527)
فمن عرفت واشتهرت زندقته وتلاعبه بأدلة الشرع ، أو كان يتعاطى من أسباب الكفر ما هو صريح وواضح ولا يحتمل التأويل ، لم تقبل منه دعوى التأويل فليس ثم إجتهاد وتأويل يسوغ تعاطي الكفر الصريح .. فإنه لا تخلو حجة كافر من الكافرين من تأويلات فاسدة يرقع بها كفره ..
ولذا قال ابن حزم: ( ومن بلغه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من طريق ثابتة ، وهو مسلم فتأول في خلافه إياه ، أو ربما بلغه بنص آخر ، فلم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك ، وفي الأخذ بما أخذ فهو مأجور معذور ، لقصده إلى الحق ، وجهله به ، وإن قامت عليه الحجة في ذلك فعاند ، فلا تأويل بعد قيام الحجة ) أهـ الدرة (414)
ويقول : ( وأما من كان من غير أهل الإسلام من نصراني أو يهودي أو مجوسي ، أو سائر الملل ، أو الباطنية القائلين بإلاهية إنسان من الناس ، أو بنبوة أحد من الناس ، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يعذرون بتأويل أصلاً ، بل هم كفار مشركون على كل حال ) أهـ الدرة فيما يجب اعتقاده ص (441) .

فيجب التنبه إلى أن قدامة الذي عذر بالتأويل ، كان الأصل فيه الإسلام والصلاح ، فقد كان صحابياً بدرياً ، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة أم المؤمنين ، وكانت تحته صفية بنت الخطاب أخت عمر ، روى ابن عبد البر في الاستيعاب (3/341) بإسناده عن أيوب بن أبي تميمة قال : ( لم يحد في الخمر من أهل بدر إلا قدامة بن مظعون ) أهـ
ولذلك قال شيخ الإسلام بعد ما ذكر حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته بحرق جثمانه قال : ( والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من المغفرة من مثل هذا ) أهـ (3/148)
وقد ذكر القاضي عياض في الشفا (2/272وما بعدها ) خلاف السلف في تكفير من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به لا على طريق السب والردة ،بل على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى والبدعة .

والصواب ما فصله العلماء في ذلك بين التأويل الذي له مسوغ في لغة العرب ، كأن يؤول صفة اليد لله تعالى بالنعمة أو القوة ، فهذا لا يوجب الكفر ، رغم مخالفته للحق الذي كان عليه السلف ، لأن في لغة العرب إطلاق القوة والنعمة على اليد ؛ لذلك عذر المتأول فيه رغم خطئه وانحرافه عن ظاهر نصوص الشرع ، وبين التأويل الذي لا مسوغ له ، كمن أوّل قوله تعالى (( بل يداه مبسوطتان)) مثلاً ، بالحسن والحسين أو بالسماوات والأرض ، فهذا يوجب الكفر لأنه لا يصح في لغة العرب إطلاق اليد على مثل ذلك .
وليس ثم نص شرعي يوجب نقل الحقيقة اللغوية إلى حقيقة شرعية خاصة .. فهو على ذلك من التلاعب في دين الله والإلحاد في أسمائه سبحانه ، وليس من التأويل الذي يعذر صاحبه في شيء .
فتأمل التفريق فإنه مهم ..

وعلى هذا فما كان من التأويل ناشئاً عن محض الرأي والهوى ، دون استناد إلى دليل شرعي ، ولا هو بمستساغ في لغة العرب ، فإنه ليس من الاجتهاد في شيء ، بل هو من التأويل الباطل المردود الذي لا يعذر صاحبه ، إذ هو تلاعب بالنصوص ، وتحريف للدين ، عبر عنه بمسمى التأويل، ولذا قال ابن الوزير : ( لا خلاف في كفر من جحد ذلك المعلوم ؛ بالضرورة للجميع ، وتستر باسم التأويل فيما لا يمكن تأويله ، كالملاحدة في تأويل جميع الأسماء الحسنى ، بل جميع القرآن والشرائع والمعاد الأخروي من البعث والقيامة والجنة والنار ) أهـ إيثار الحق على الخلق ص(415) .
ومن ذلك قطعاً أصل التوحيد ، الذي يتضمن تجريد العبادة لله وحده بكافة أنواع العبادة ، فنقض هذا الأصل بدعوى التأويل الذي يسوغ الإشراك بالله تعالى واتخاذ الأنداد معه من أوضح الباطل ؛ الذي بعثت الرسل كافة بإبطاله وإنكاره ..

وقد نص العلماء على أن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل شرعي ، ليس من التأويل المستساغ بحال ، إذ بذلك تسلط المتأخرون على النصوص ، وقالوا نحن نتأول ، فسموا التحريف تأويلاً ، تزييناً وزخرفة ليقبل منهم (15)… وقد ذم الله تعالى من يزخرف الباطل ويزينه ليلبس أمره على الناس فقال تعالى :
((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا)) الأنعام (112).

• وعلى كل الأحوال فإن الخطأ في التأويل يسقط كمانع من موانع التكفير ، بإقامة الحجة على المتأول .

(3) مانع الجهل :
وإنما يكون مانعا وعذرا إن كان من الجهل الذي لا يتمكن المكلف من دفعه أو إزالته …
أما ما كان متمكناً من إزالته ، فقصر وأعرض ولم يفعل فهو جهل من كسبه غير معذور به ، ويعتبر كالعالم به حُكماً ، وإن لم يكن عالماً في الحقيقة .. فإن هذا هو حال المعرض عن دين الله ، وهو من بلغه كتاب الله الذي علقت به النذارة ، فأعرض عن تعلمه أو النظر فيه ، لمعرفة أهم المهمات التي خلقه الله من أجلها … قال تعالى (( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة )) وقال تعالى : ((وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ))
فمن بلغه القرآن ، ووصلته التذكرة فأعرض عن التوحيد ، وارتكس في حمأة الشرك والتنديد ، فهذا لا يعذر بجهله لأنه هو الذي كسبه بإعراضه .. والعلماء متفقون على عدم عذر المعرض إن تمكن من العلم ، وإنما الخلاف بينهم في عذر من لم يتمكن من ذلك ، وهو خلاف عديم الجدوى فيما نحن فيه ، لأن دين الله قد بلغ الآفاق ، وكتاب الله بل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبينه له ، محفوظان ، ومظنة تعلم ذلك كله موجودة ميسرة لكل أحد ، فلم يبق والحال كذلك إلا جهل الإعراض ، خصوصاً فيما اشتهر من دين الإسلام وعرف وذاع وشاع ليس بين المسلمين فقط ، بل وحتى بين اليهود والنصارى وغيرهم ؛ كالتوحيد الذي هو أصل دين الإسلام وقطب رحاه .

ولذلك نص العلماء في قواعدهم الشرعية كما قال القرافي (684هـ) : ( ان كل جهل يمكن المكلف دفعه ، لا يكون حجة للجاهل ) أنظر الفروق (4/264) وأيضاً (2/149-151) .
ويقول ابن اللحام:( جاهل الحكم إنما يعذر إذا لم يقصر أو يفرط في تعلم الحكم،أما إذا قصر أو فرط فلا يعذر جزماً ) أهـ القواعد والفوائد الأصولية ص (58) .

هذا واعلم أن مانع الجهل فيه تفصيل يطول ، وقد صنف فيه أهل عصرنا المصنفات ، ما بين إفراط وتفريط ، وقد نفاه أقوام بالكلية ، فأخطأوا ، وكفّروا من لم يكفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
ووسعه آخرون فتعدوا حدود الله فيه ، حتى عذروا المرتدين المعاندين ، والكفرة المعرضين عن دين الله ، أولئك الذين جهلوا دين الله بكسبهم وإعراضهم عنه ، واستحبابهم الحياة الدنيا وزخرفها .. فتراهم أعلم الناس في كل ما دق وجل من أمورها وقشورها ، بينما لا يرفعون رأساً بتعلم أهم وأول ما افترض الله على ابن آدم تعلمه ، هذا مع توفر مظنة العلم ، والكتاب والسنة بين أيديهم –كما قلنا- فهم ممن قال الله تعالى عنهم (( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون )) .

• وإنما الذي يعذر ويعتبر في حقه هذا المانع كمانع من موانع التكفير ، من كان عنده أصل التوحيد لكن خفيت عليه بعض المسائل التي قد تشكل أو تخفى أو تحتاج إلى تعريف وبيان ، ومن جنس ذلك باب أسماء الله وصفاته ، فقد دلت أدلة الشرع على عذر المخطئ فيها من أهل التوحيد ، وعدم جواز تكفيره إلا بعد إقامة الحجة بالتعريف والبيان ..

• كما في حديث الرجل الذي أسرف على نفسه فلم يعمل خيراً قط إلا التوحيد(16) ، فأوصى بنيه ، عند موته أن يحرقوه ويذروا رماده ، وقال لإنْ قدر الله علي ليعذبني عذباً لا يعذبه أحد من العالمين .
وفيه جهله بسعة قدرة الله وأنه سبحانه قادر على بعثه حتى وإن احترق وتفرقت أجزاؤه ، ومع هذا فقد غفر الله له لتوحيده وخشيته لله ، فدل ذلك على أن الخطأ والجهل في مثل هذا الباب يعذر فيه الجاهل إن كان من أهل التوحيد ..
ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية في مناظرته على (العقيدة الواسطية ) التي جلها في باب الأسماء والصفات ، وذلك لما اعترض بعض المناظرين على قوله فيها (هذا اعتقاد الفرقة الناجية ) قال رحمه الله : ( وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً ، فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة ) أهـ الفتاوى (3/116)

• ومن هذا الباب أيضاً اعتبار مانع الجهل في حديث العهد بالإسلام أو من نشأ في بادية بعيدة يتعذر وصول تفاصيل الشرع إليها ونحو ذلك .. فإنه يعذر فيما خفي عليه ما دام من أهل التوحيد مجتنباً للشرك الأكبر والتنديد .

• وقد قدمنا لك في أول هذا الفصل تفريق شيخ الإسلام في الفتاوى (35/101) بين تكفير المطلق وتكفير المعين ، وأن تكفير المعين لا بد فيه من تبين الشروط والموانع … ثم ضرب على ذلك أمثلة فقال : ( مثل من قال : إن الخمر والربا حلال ، لقرب عهده بالإسلام ، أو لنشوئه في بادية بعيدة ، أو سمع كلاماً أنكره ولم يعتقد انه من القرآن ولا انه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حتى يثبت عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ، وكما كان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك حتى يسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومثل الذي قال : إذا أنا مت فاسحقوني ، وذروني في اليم ، لعلي أضل عن الله ، ونحو ذلك فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة بالرسالة ، كما قال الله تعالى ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )) وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ) أهـ .

يقول ابن حزم : ( ولا خلاف في ان امرءاً لو أسلم – ولم يعلم شرائع الإسلام- فاعتقد أن الخمر حلال ، وأن ليس على الإنسان صلاة ، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافراً بلا خلاف يعتد به ، حتى إذا قامت عليه الحجة فتمادى حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر ) أهـ المحلى (13/151)
وقال أيضاً في الفصل (4/105) : ( ومن لم يبلغه الباب من واجبات الدين فإنه معذور لا ملامة عليه ، وقد كان جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم ، بأرض الحبشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والقرآن ينزل والشرائع تشرع ، فلا يبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلاً ، لانقطاع الطريق جملة من المدينة إلى أرض الحبشة ، وبقوا كذلك ست سنين فما ضرهم ذلك في دينهم شيئاً ، إذا عملوا بالحرام وتركوا المفروض ) أهـ

وقال ابن قدامة في المغنى (كتاب المرتد ) (مسألة : ومن ترك الصلاة ) : ( لا خلاف بين أهل العلم في كفر من تركها جاحداً لوجوبها إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك ، فإن كان ممن لا يعرف الوجوب كحديث العهد بالإسلام والناشئ بغير دار الإسلام أو بادية بعيدة عن الأمصار وأهل العلم ، لم يحكم بكفره ، وعرّف ذلك ، وتثبت له أدلة وجوبها فإن جحدها بعد ذلك كفر ، وأما إذا كان الجاحد لها ناشئاً في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحدها ، وكذلك الحكم في مباني الإسلام كلها …) أهـ .

وقد استدل العلماء لذلك أيضاً بما روي في سنن الترمذي عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط ، فقلنا يا رسول الله أجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر إنها السنن ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو اسرائيل لموسى ، اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، قال إنكم قوم تجهلون ، لتركبن سنن من قبلكم )
فاستدل من صحح هذا من العلماء على ( أن من أراد أن يفعل الشرك جهلاً فنهي فانتهى لا يكفر )(17) وليس فيه عذر المشركين بالشرك الأكبر كما يستدل به مرجئة العصر للطواغيت وأنصارهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم غضب لطلب الصحابة وأنكره عليهم لكنه عذرهم ولم يكفرهم …
بينما لم يعذر المشركين في اقترافهم للشرك ..
فالصحابة طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم جهلاً منهم ، لأنهم كانوا حدثاء عهد بكفر ، ظناً منهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يجعل لهم شجرة يعكفون عندها يعبدون الله .. ولم يقترفوا شركاً ، ولا ذريعة من ذرائعه ، فيجب الوقوف بالدليل عند حدوده ودلالاته التي يحتملها ، بأن يعذر به الجاهل ما لم يقترف الشرك الأكبر أو الكفر الواضح المستبين .

وذلك لأن الأدلة الشرعية قد دلت على أن نقض أصل التوحيد بالكفر البواح أو بالشرك الصراح الواضح المستبين المعلوم بالضرورة إنكاره في دين المسلمين ، والذي لا يخفى على صبيان المسلمين ، وحتى اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بإبطاله وهدمه ، فهذا لا يعذر الجاهل في مثله ، خصوصاً مع إتمام الله نعمته على الأمة بحفظ كتابه الذي علق سبحانه النذارة فيه وببلوغه ،فمن بلغته النذارة ونقض أصل التوحيد بالكفر أوالشرك الصراح الواضح المستبين فهو كافر بل ومعذب في الآخرة ولا يصلح الاعتذار له بالجهل لأن جهله والحال كذلك جهل إعراض لا جهل من لم يتمكن من العلم ، ويدل على ذلك دلالة واضحة قول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سأله عن أبيه : ( إن أبي وأباك في النار)(18) مع أن هؤلاء الآباء من القوم الذين قال الله تعالى فيهم :(( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون )) وقال : ((لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون )) ، فهؤلاء لم يعذروا بالشرك الأكبر مع انهم ما أتاهم نذير خاص بهم .. وما ذلك إلا لأن الشرك الأكبر الصراح، قد أقام الله على الإنذار والتحذير منه حججه البالغة الواضحة ، وأرسل كافة رسله منذرين ومحذرين منه ، وأنزل جميع كتبه من أجل هدمه والتحذير منه .. ثم جعل خاتمها كتاب لا يغسله الماء تكفل بحفظه وعلق النذارة به ، فمن باب أولى أن لا يعذر بمثل ذلك من جاؤوا بعد ذلك .

قال القاضي عياض في الشفا (2/231) في معرض كلامه على ساب النبي صلى الله عليه وسلم وهو من الكفر الصريح الذي لا يعذر الجاهل به .
قال : ( أو يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه ؛ فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد بالكفر بالجهالة ) أهـ .
أي الكفر الصريح الذي هو من قبيل سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلا فقد تقدم قول القاضي نفسه في وجوب الإحتراز في إكفار المتأولين من المصلين الموحدين .

(4) مانع الإكراه :
ويقابله في الشروط أن يكون المكلف مختاراً لفعله.
ويدل عليه قوله تعالى : ((من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )) وقد ذكر العلماء شروطاً لصحة تحقق مانع الإكراه منها (19) :

- أن يكون المكرِه (بكسر الراء ) قادراً على إيقاع ما يهدد به ، والمكرَه عاجزاً عن الدفع ولو بالفرار .

- أن يغلب على ظن المكرَه ، انه إذا امتنع أوقع به ما يهدد به.

- أن لا يظهر على المكرَه ما يدل على تماديه ، بأن يعمل أو يتكلم زيادة على ما يمكن أن يزول به عنه البلاء .

- واشترطوا فيما يهدد به في الإكراه على كلمة الكفر ، أن يكون مما لا طاقة للمرء به ، ومثلوا بالإيلامات الشديدة وتقطيع الأعضاء ، والتحريق بالنار والقتل وأمثال ذلك .. وذلك لأن الذي نزلت بسببه آيات إعذار المكره وهو عمار ، لم يقل ما قال إلا بعد أن قتل والديه وكسرت ضلوعه ، وعذب في الله عذاباً شديداً .

- واشترطوا أن يظهر إسلامه متى زال عنه الإكراه ، فإن أظهره فهو باق على إسلامه وإن أظهر الكفر ، حكم أنه كفر من حين نطق به(20) .

• ومع هذا فيجدر التنبيه إلى أن العلماء قد نصوا على أن من قامت عليه بينة أنه نطق بكلمة الكفر وكان محبوساً عند الكفار مقيداً عندهم في حالة خوف ، لم يحكم بردته(21) لأنه في مظنة الإكراه ما دام في سلطانهم مقيداً أو محبوساً ويقدرون على إنفاذ ما يريدون به .(22)
وإن شهد عليه انه كان آمناً حال نطقه بها حكم بردته (23)

• ومن المهم هنا التنبيه إلى أن الإكراه الذي يتحدث عنه العلماء هو النطق بكلمة الكفر أو فعله ، ثم العودة إلى إظهار الإسلام كما تقدم .. أما الإكراه على الإقامة على الكفر والبقاء عليه .. فهذا لم يعتبروه ولم يجيزوه وفرقوا بينه وبين ما يعذرون به في أبواب الإكراه ..

• ( فروى الأثرم عن أبي عبد الله – وهو الإمام احمد - أنه سئل عن الرجل يؤسر ، فيعرض على الكفر ويُكره عليه،أله أن يرتد ؟ فكرهه كراهة شديدة ، وقال : ما يشبه هذا عندي الذين أنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أولئك كانوا يرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا ، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم(24) . وذلك لأن الذي يكره على كلمة يقولها ثم يخلى ، لا ضرر فيها ، وهذا المقيم بينهم يلتزم بإجابتهم إلى الكفر المقام عليه واستحلال المحرمات وترك الفرائض والواجبات وفعل المحظورات والمنكرات ، وإن كان امرأة تزوجوها واستولدوها أولاداً كفاراً وكذلك الرجل ، وظاهر حالهم المصير إلى الكفر الحقيقي والانسلاخ من الدين الحنيفيي .) أهـ من المغنى (كتاب المرتد )(فصل : ومن اكره على كلمة الكفر فالأفضل له أن يصبر ولا يقولها …)

القسم الثاني من الموانع :-
موانع في الفعل (أي سبب التكفير ) :

1- ككون القول أو الفعل غير صريح في الدلالة على الكفر .
2- أو أن الدليل الشرعي المستدل به غير قطعي الدلالة على كون ذلك القول أو الفعل مكفراً .
وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذا في أخطاء التكفير … في الخطأ السادس والسابع .

القسم الثالث : موانع في الثبوت :
( وهي الجانب القضائي في الموانع) وتتأكد ويشدد فيها عند ترتيب لوازم التكفير عليه كاستباحة الدماء والأموال ونحوها .

- وذلك بأن لا يكون ثبت الكفر على قائله أو فاعله الثبوت الشرعي الذي هو الاعتراف ( والإقرار ) أو شهادة شاهدين عدلين، سواء بنقصان نصاب الشهادة فيها والذي نص الجمهور على انه شاهدان عدلان –كما سيأتي – بأن يشهد رجل واحد فلا يؤخذ بها، كما لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بشهادة زيد بن الأرقم وحده لما شهد عليه بأنه قال ( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل(25) ).

- أو بأن يكون أحد الشهود غير مقبول الشهادة في هذا الباب لكونه كافراً ، أو مجنوناً أو صبياً أو غير ذلك ، أو أنه خصم للمشهود عليه أو مقدوح في عدالته ، مع إنكار المتهم لما نسب إليه ، ودفعه له ورده بالأيمان ، وسيأتي الكلام على هذا في أخطاء التكفير .
وقد اشترط العلماء في قبول شهادة الشاهد أربعة شروط : ( الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة )(26) واستدلوا بأدلة؛ منها قوله تعالى: ((وأشهدوا ذوي عدل منكم )) (282) البقرة. وبما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وغيرهم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ، ولا ذي غِمرٍ على أخيه ) قال الحافظ في (التلخيص) (4/198) : وسنده قوي .وذو غمر : أي حقد وعداوة .
ولذلك فمذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور عدم قبول شهادة العدو على عدوه، وخالفهم أبو حنيفة ، ذكر ذلك الشوكاني في نيل الأوطار ثم قال : ( والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه لقيام الدليل على ذلك ، والأدلة لا تعارض بمحض الأراء ، وليس للقائل بالقبول دليل مقبول ) أهـ كتاب الأقضية والأحكام (باب من لا يجوز الحكم بشهادتهم ) .

• وقد ذكر العلماء في البينات إضافة إلى الإقرار والشاهدين ؛ الإستفاضة ، وهو اشتهار الأمر وظهوره ومعرفته بين الناس بحيث يكون ذلك في بعض الأحيان أقوى من شهادة الشاهدين .
لكن هذا فيه تفصيل يجب مراعاته ، حيث اعتبره العلماء في أبواب ولم يعتبروه في أخرى . أنظر المغنى كناب الشهادات (مسألة : وما تظاهرت به الأخبار.. ) وانظر فتاوى شيخ الإسلام (35/241-242) وسيأتي ذلك ، وانظر أيضاً فيها : (15/179).

تنبيهات حول موانع التكفير


(1) تبين الموانع إنما يجب في المقدور عليه ، ولا يجب في الممتنع أو المحارب :
واعلم بعد هذا أن تبين هذه الموانع إنما يجب في حق المقدور عليه دون الممتنع ..

* والامتناع يرد على معنيين :
- الأول امتناع عن العمل بالشريعة جزئياً أو كلياً .
- الثاني امتناع عن القدرة ، أي قدرة المسلمين أن يوقفوه ويحاسبوه ويحاكموه لشرع الله .
ولا تلازم بين النوعين فقد يكون الممتنع عن العمل بالشريعة ؛ مقدوراً عليه في دار الإسلام كمن امتنع عن الزكاة وهو فرد مقدور عليه في دار الإسلام .
وقد يجتمعان ، فيمتنع الممتنع عن الشريعة بدار كفر أو بشوكة وطائفة وقانون وسلطان دولة ، بحيث لا يتمكن المسلمون من إنزاله على حكم الله تعالى وإقامة حد الله عليه ..

- والممتنع عن القدرة ، قد يكون محارباً باليد ، وقد يكون محارباً باللسان فقط ، وانظر الصارم المسلول ص 388

- وقد نص العلماء على أن الممتنع عن القدرة لا تجب استتابته ، فمن باب أولى المحارب الذي داهم ديار المسلمين واحتلها وتسلط على مقاليد الحكم فيها .

• ويراد بالاستتابة معنيان أيضاً :
الأول : طلب التوبة ممن حكم عليه بالردة .
الثاني : تبين الشروط والموانع قبل الحكم عليه بالردة ، وهذا هو الذي نريد التنبيه عليه هنا .

فالممتنع عن شرائع الإسلام والممتنع عن النزول على حكم الله ، والمحارب للمسلمين الخارج عن قدرتهم وحكمهم ، سواء امتنع بدولة الكفر أو بقوانينها أو بجيوشها ومحاكمها ، هذا قد جمع بين نوعي الامتناع، فلا يجب تبين الشروط والموانع في حقه قبل التكفير والقتال .. إذ هو لم يسلم نفسه للمسلمين ، ولا سلم بشرعهم وحكمهم حتى ينظر له في ذلك .. فلا يقال قي حق من كانوا كذلك ، أنهم لم تقم عليهم الحجة ، كما يهذر به بعض من يهرف بما لا يعرف ، خصوصاً إذا كانوا محاربين مقاتلين لنا في الدين ، وقد تسلطوا على ديار الإسلام وامتنعوا بشوكتهم عن شرائعه ، وأقاموا وفرضوا شرائع الكفر والطاغوت ..
يقول محمد بن الحسن الشيباني : ( ولو أن قوماً من أهل الحرب الذين لم يبلغهم الإسلام ولا الدعوة أتوا المسلمين في دارهم ، يقاتلهم {المسلمون} بغير دعوة ليدفعوا عن أنفسهم ، فقتلوا منهم وسبوا وأخذوا أموالهم فهذا جائز … ) أهـ . من السير الكبير ، وما بين المعكوفين زيادة أثبتها السرخسي في شرحه ، ثم قال : ( لأن المسلم لو شهر سيفه على مسلم حل للمشهور عليه سيفه قتله للدفع عن نفسه ، فها هنا اولى ، والمعنى في ذلك أنهم لو اشتغلوا بالدعوة إلى الإسلام فربما يأتي السبي والقتل على حرم المسلمين وأموالهم وأنفسهم فلا يجب الدعاء ) أهـ.

ويقول ابن القيم : ( ومنها أن المسلمين يدعون الكفار –قبل قتالهم- إلى الإسلام هذا واجب إن كانت الدعوة لم تبلغهم ، ومستحب إن بلغتهم الدعوة ، هذا إذا كان المسلمون هم القاصدين للكفار، فأما إذا قصدهم الكفار في ديارهم فلهم أن يقاتلوهم بغير دعوة لأنهم يدفعونهم عن أنفسهم وحريمهم ) أحكام أهل الذمة ( 1/5) .
فهذا من تفريق العلماء بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ..
وقد فرق شيخ الإسلام أيضاً في مواضع عديدة من كتبه بين (المرتد ردة مغلظة -وهو الذي يضيف إلى ردته الامتناع أو المحاربة والقتل أو القتال- فيقتل بلا استتابة وبين المرتد ردة مجردة فيقتل إلا أن يتوب(27) .
وقال في الصارم المسلول ص 322 : ( المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب ، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام ، فإنه يقتل قبل الاستتابة بلا تردد ) أهـ .
وقال أيضا فيه ص325 –326: ( على أن الممتنع لا يستتاب وإنما يستتاب المقدور عليه ) أهـ .

(2) أعذار يتعذر بها المرتدون وغيرهم ، وليست من موانع التكفير (28) :
بعد أن عرفت شروط وموانع التكفير ، بقي أن تتنبه إلى قاعدة شرعية مهمة في هذا الباب وهي : أن ( المانعية والشرطية ، وكذلك السببية لابد لإثباتها واعتبارها دليل شرعي )(29) فالموانع والشروط والأسباب ، كل ذلك من الأحكام الشرعية الوضعية التي وضعتها الشريعة بتوقيف ..
وما لم يكن كذلك فلا يعتبر ، فمن ادعى سببية أو شرطية أو مانعية شيء لشيء ، فلا بد له من إثبات ذلك بدليل ، وإلا كان تقولاً على الله بلا علم ، فلا يجوز ابتداع أسباب أو شروط أو موانع للتكفير ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن فعل ذلك فهو داخل تحت عموم قوله تعالى : ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله )) وقوله سبحانه: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )).. فحذار من ذلك ..

حتى إن( أكثر الأصولين منعوا القياس في الشروط والأسباب والموانع )(30) - هذا وقد خاض كثير من الخوالف في هذا العصر ، في أعذار وموانع التكفير ، فصار كثير منهم يعتذر للكفار والمرتدين ، بموانع وأعذار مبتدعة - لا تخطر حتى على بال أولئك المرتدين – بعضها ما انزل الله به من سلطان ، وبعضها قد نص الله سبحانه على إبطاله في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .

فمن ذلك :
1- الخوف مما يهدد به بعضهم من قطع راتب أو الطرد من الوظيفة أو مصادرة بعض حظوظ دنياهم أو منعهم من بعض قشورها ، فهذا ليس بمانع من موانع التكفير ولا يعذر به من دفعه ذلك إلى الكفر برب العالمين ، وتول المشركين ومظاهرتهم على المسلمين ، ونصرة قوانين المشركين ، بل هو من تزيين الشياطين وإمدادهم لأوليائهم بالغي ، وأزِّهم إلى الكفر أزَّا ، إذ التخويف بمثل هذه الأمور ليس من الإكراه في شيء .
وقد قال تعالى : ((ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله )) .
وقال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين أمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه …الآيات) المائدة .
ففي هذه الآيات بيان ردة من دفعتهم الخشية المجردة إلى تولي الكفار ، والتصريح بأنهم قد حبطت أعمالهم ، وهذا لا يكون إلا بالكفر ..
فلم يعذر الله في اقتراف الكفر (كتولي المشركين أو قوانينهم) ، بالخشية المجردة ، ولم يجعل ذلك مانعاً من موانع التكفير ،ولم يجعله من الإكراه كما يظن كثير من الجهَّال ..

يقول الشيخ حمد بن عتيق في (سبيل النجاة والفكاك من مولاة المرتدين وأهل الإشراك ) ص62 حين ذكر أحوال الناس المظهرين لموافقة الكفار فذكر فيهم(31) من يوافقهم في الظاهر مع دعوى مخالفته لهم في الباطن وهو ليس في سلطانهم ، قال : ( وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحّة بوطن أو عيال أو خوف مما يحدث في المال ، فإنه في هذه الحالة يكون مرتداً ولا ينفعه كراهته لهم في الباطن(32) .
وهو ممن قال الله فيهم : ((ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، وإن الله لا يهدي القوم الكافرين )) .
وأخبر انه لم يحملهم على الكفر الجهل ، ولا بغض ( الحق ) ، أو محبة الباطل ، وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا آثروه على الدين …
قال : وهذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .
وأما ما يعتقده كثير من الناس عذراً فإنه من تزيين الشيطان وتسويله ، فذلك أن بعضهم إذا خوفهم أولياء الشيطان خوفاً لا حقيقة له ، ظن انه يجوز له إظهار الموافقة للمشركين والانقياد لهم ) أهـ .
ثم ذكر كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في صفة الإكراه على كلمة الكفر ، وأنه لا يكون إلا بالضرب والتعذيب والقتل ، لا بمجرد الكلام ولا بالتخويف بالحيلولة دونه ودون زوجته أو ماله أو أهله …

وقد نقل السيوطي في مقدمة تاريخ الخلفاء عن القاضي عياض قال : سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني ( حكام) مصر على الدخول في دعوتهم ، أو يقتل ؟
قال : يختار القتل ، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم ، وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته ، لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز ، وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم ، لئلا تخلو للمسلمين حدودهم ، فيفتنوهم عن دينهم ) أهـ (ص13) .

ويصدق هذا ويدل عليه قوله تعالى: ((إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا فيم كنتم قالوا: كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا)) [ النساء : 97 ]
فإنها نزلت في أناس كانوا قد أسلموا ولكنهم قصروا في الهجرة ، فبقوا في مكة بين المرتدين مشحّة أن يتركوا المساكن والأزواج والأموال والأوطان ، فلما كان يوم بدر ، أخرجهم المشركون في صفوفهم ، فكان المسلمون إذا رموا بسهم وقع في بعضهم ، فقالوا : قتلنا إخواننا ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات من سورة النساء ، فلم يعذرهم تعالى بدعواهم الإستضعاف وإخراج المشركين لهم في الصف كرهاً ، لأنهم قصروا أول مرة في الهجرة والخروج من بينهم حين كانوا في سعة حال القدرة عليه ، وإنما عذر- كما في الآية التي بعدها – المستضعفين حقاً الذين لا يتمكنون من الهجرة ولا يستطيعونها إما لحبسهم وقيدهم وإستضعافهم الحقيقي ، أو لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيل الهجرة ، كالنساء والولدان ونحوهم ..

فدل هذا كله على أن المكثر لسواد الكفار والمشركين المظهر موافقتهم ونصرتهم على المسلمين لا يعذر بمجرد دعواه الخوف على الأموال والمشحة (بالتقاعد) والمساكن ونحوها من متاع الدنيا وقشورها ..
فكيف بمن أظهر نصرة الشرك نفسه وحمى وحرس قوانين الكفر وخرج مختاراً لنصرتها ونصرة أهلها على الموحدين ..؟؟ ثم تعذر بأمثال تلك الأعذار ..
لا شك أن هؤلاء أولى بذلك وأولى ..

2- ولذلك فليس من موانع التكفير أيضاً كون المرتدين وأنصارهم يتعذرون بالاستضعاف وأنهم لا حيلة لهم مع حكامهم ، فالاستضعاف لو كان موجوداً معتبراً في حقهم فإنه لا يسوغ لهم نصرة الشرك والكفر أو نصرة أهله على المسلمين ، إذ لا أحد يجبرهم على ذلك ، ولا على تولي الوظائف التي فيها جنس ذلك .. بل هم يستميتون في الحصول عليها .. ويلتمسون الشفاعات والوساطات لنيلها والوصول إليها ..
وأعجب من ذلك ما سمعته من بعض من طمس الله على بصائرهم وأعماهم عن نور الوحي ، يعتذرون للحكام المعطلين لشرع الله المشرعين لقوانين الكفر المحكمين لها والممتنعين بها ، بأنهم مستضعفون عند أمريكا ولا يستطيعون تحكيم الشرع بسبب ذلك ..!! وكنت أسألهم : فمن ذا الذي يجبرهم على البقاء في الحكم والتشبث بكرسيه بالنواجذ وأصابع الأيدي والأرجل ، كيف وقد وصل أكثرهم إلى هذه الكراسي على ظهور الدبابات ، وبكل ما يقدرون عليه من وسائل القتل والغدر والخسة ، فمنهم من قتل والده ، ومنه من نفاه ، ومنهم من أباد قرى ومدن كاملة من أجل ذلك .. ثم يقول أولئك العميان ؛ أنهم مستضعفون لأمريكا .. بل فليسموا الأشياء بأسمائها الحقيقية وليقولوا : هم أذنابها وإخوانها وأحبابها ..

وعلى كل حال ، فالمستضعف عموماً لا يحل له اقتراف قول أو فعل مكفر .. وإنما يرخص له فقط في مداراة الكفار والتقية ، وهي ترك الإنكار عليهم باليد واللسان ، مع بقاء كراهيتهم وإنكار باطلهم في القلب ، وترك إظهار عداوتهم مع بقاء أصلها بالقلب ، دون أن يتابعهم على كفر أو يرضى به ، كما في الحديث ( إلا من رضي وتابع )
فالله لم يعذر المتابعين للكفار على كفرهم وشركهم بحجة الاستضعاف ، كما هو بين واضح في آيات كثيرة …
منها قوله تعالى : ((وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إن كنا لكم تبعاً فهل انتم مغنون عنا نصيباً من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد )) غافر .
وقال تعالى: ((ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ، وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) سبأ .
ونحوها من الآيات ..

فتأمل تخاصمهم بعد فوات الأوان وإسرارهم الندامة لما رأوا العذاب ..
وقولهم لساداتهم الذين قادوهم إلى الهلاك : ((بل مكر الليل والنهار إذا تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً ..)) .
فالاستضعاف ليس عذراً في مثل هذا ، وإنما يعذر المستضعف باستضعافه ، في ارتكاب بعض المحرمات ؛ أو التقصير في بعض الواجبات ، كترك الهجرة إلى المسلمين والتقصير في نصرتهم ونحو ذلك مما يعجز عنه في استضعافه ، ما لم يرتكب مكفراً صريحا باختياره إذ الاستضعاف شيء غير الإكراه الذي تقدمت صورته والذي يمنع من تكفير من ارتكب شيئا من أسباب الكفر الظاهرة ، وقلبه مطمئن بالإيمان ..

ولذلك وصف الله المستضعفين من المؤمنين بأنهم يسعون جاهدين ويدعون الله مخلصين أن يخرجهم من بين الكفار ، ولا يطمئنون لواقع الاستضعاف، أو يتخذونه ذريعة وعذراً لبيع الدين بالدنيا .
كما هو حال من يتعذر به اليوم من المفتونين .. فقال تعالى ((.. والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا )) 75 النساء .

3- وليس من موانع التكفير كون المرتدين وأنصارهم أو غيرهم من الكفار يعتقدون انهم مؤمنون أو أنهم على حق فيما يرتكبونه من المكفرات ..
فقد وصف الله تعالى كثيراً من الكفار بذلك ، ولم يجعل ذلك مانعاً من تكفيرهم ..
فقال سبحانه ..(( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)) [ الكهف : 104 ]
وقال تعالى ((إنهم اتخذوا الشياطين أولياء لهم من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )) [الأعراف : 30 ]
وهكذا شأن أكثر الكفار في كل زمان ، ففرعون طاغوت مصر كان يقول لقومه : ((ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد )) .
وقال تعالى عن غيره: ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون )) .

وهكذا الكفار في كل زمان ، وحتى اليهود والنصارى يعتقدون أنهم مهتدون وأنهم هم المؤمنون وأصحاب الجنة الفائزون .
كما قال تعالى (( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه.. ))
وقال سبحانه ((وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ))
وهكذا سائر الكفار ..
ومعلوم أن ذلك ليس بنافعهم عند الله ولا وهو بمانع من تكفيرهم في الدنيا ..

وعلى كل حال ، فتقييد التكفير بالاعتقاد هو مذهب غلاة المرجئة الذين يرون الإيمان اعتقاد القلب وحده فقط ومن ثم فلا يكون الكفر في مذهبهم إلا بالاعتقاد .. وانظر تفصيل هذا في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر)
أضف إلى هذا أن الاعتقاد أمر مغيب في القلب غير ظاهر ولا يمكن ضبطه ما دام كذلك .. ولذلك لم يعتبره الشارع كمانع من موانع التكفير في أحكام الدنيا فقد تقدم في تعريف المانع : ( انه وصف وجودي ظاهر منضبط يمنع ثبوت الحكم ) فما لم يكن كذلك ، فليس بمانع من موانع التكفير ولا دخل لنا به في أحكام الدنيا ..

4- وليس من موانع التكفير، كون من كفر بسبب من أسباب الكفر أو ناقض من نواقض الإسلام يلتزم بعض شرائع الإسلام كالصلاة أو الإقرار بالشهادتين أو نحوهما(33) ..
فهذا لا يمنع من تكفيره لأنه لم يكفر من جهة الامتناع عن شيء من الشرائع المذكورة .. وإنما كفر بسبب أخر غير ذلك ..
وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن للمشركين أعمالاً ، وأن بعضهم عنده من شعب الإيمان أشياء لم تنفي عنه الشرك كما قال : ((وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ))
وبين في موضع آخر أن الشرك محبط لجميع تلك الأعمال فقال تعالى : (( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون )) .
ومعلوم ان الإنسان يدخل الإسلام بالإقرار بالشهادتين ثم لا يستمر إسلامه ولا تدوم عصمته إلا بالمحافظة على مجموع شعب هي أصل الإيمان .. بينما يحبط ذلك كله بسبب واحد من أسباب الكفر .

ومن الأدلة الواضحة على أن هذا الأمر ليس من الأعذار المقبولة عند الله تعالى ولا هو من موانع التكفير ..
قوله تعالى ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )) [ التوبة 65-66] .
فإنها نزلت في شأن أناس كانوا من المصلين المقرين بالشهادتين قد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم مجاهدين في غزوة هي من أشهر وأعسر غزوات المسلمين .. ثم لما قالوا ما قالوا من أسباب الكفر وهو الاستهزاء بالنبي وأصحابه من حملة القرآن ؛ كفرهم الله بهذا السبب ، ولم يمنع من تكفيرهم إقراراهم بالشهادتين ولا الصلاة ولا الجهاد ولا غيره من شعب الإيمان التي كانت عندهم ..

وعلى هذا فلو نطق المرتد الذي كفر بسبب نصرته للشرك والمشركين للشهادتين حال قتاله، لم يعصم ذلك دمه ولم يمنع من قتله لأنه لم يكفر بالامتناع عن الإقرار بها كي يقاتل عليها، وحتى يكون حكمه حكم من قتله أسامة بن زيد لما قالها .. بل هو يقولها ويقر بها ليل نهار ،وربما كان من المصلين ، فليس هذا سبب كفره الذي قوتل عليه ، و إنما سبب كفره الذي قوتل عليه هو تولي ونصرة القوانين وأهلها على الموحدين ، فلا يصير مسلماً حتى ينخلع ويبرأ من هذا السبب ويتوب منه ، فبذلك يرجع إلى الإسلام ، إذ هذا هو الباب الذي خرج منه ، فمنه يرجع ما دام مقراً بسائر الأبواب ..

وهذا أمر واضح معلوم من سيرة الصحابة مع المرتدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا أصنافاً،( قوم ارتدوا عن الدين بالكلية ، وقوم ارتدوا عن بعضه ، فقالوا : نصلي ولا نزكي ، وقوم ارتدوا عن إخلاص الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فآمنوا مع محمد بقوم من النبيين الكذابين كمسيلمة الكذاب وطليحة الأسدي وغيرهما) فجاهدهم الصديق رضي الله عنه وسار فيهم سيرته في المرتدين ، فمن كان منهم يصلي ويقر بالشهادتين وارتد بمنع الزكاة قاتله حتى أداها .. ومن كانت ردته بالإيمان بمسيلمة ،قاتله على البراءة من مسيلمة والكفر بنبوته .. وهكذا ..
ولما أشكل ذلك بادي الرأي على الفاروق وسأله: كيف تقاتل الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله … الحديث ) قال له أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة … ) فهذا يوضح أن ممن قاتلهم أبو بكر في حروب الردة من كان يصلي ويشهد الشهادتين.. وإنما ارتد من أبواب أخرى فقوتل عليها ..

5- وليس من موانع التكفير كون من ارتكب سبباً من أسباب الكفر الواضح المستبين مضللاً بتلبيس الأحبار والرهبان أو السادة والحكام .. أو غيرهم ..

فقد قدمنا لك أن مانع الجهل يعتبر في الأمور الخفية والمشكلة التي تحتاج إلى تعريف وبيان ، فلا بد قبل التكفير فيها من إقامة الحجة .. وسيأتي المزيد منه في أخطاء التكفير ..
لكن هذا لا يجب في أمور هي أظهر من الشمس في رابعة النهار ، كهدم أصل التوحيد أو مقارفة ما يناقضه من الكفر البواح والشرك الصراح الذي لا يخفى على صبيان المسلمين ، بل إن اليهود والنصارى يعرفون أنه مناقض لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ..
وسيأتي حديث عدي بن حاتم في عدم إعذار اليهود والنصارى بإضلال أحبارهم ورهبانهم لهم ، في صرف التشريع- الذي هو عبادة - إلى غير الله تعالى .. مع أنهم لم يكونوا يعرفون أن الطاعة في ذلك عبادة كما صرح بذلك عدي ، وكفر اليهود والنصارى أكثره كفر تقليد ولذلك قال تعالى فيهم ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله …. الآيات ))

وكذلك كفر أكثر الكفار .. قال تعالى (( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول . قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون )) المائدة
وفي الحديث الذي يرويه البخاري في صحيحه يقول النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر : ( وأما الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقول الناس ، فيقال : لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه …. الحديث ) .
هذا وقد بين الله في كتابه أن الضعفاء والمقلدين يتبرؤون يوم القيامة من ساداتهم الذين كانوا سببا في إضلالهم ، وأن ذلك ليس بعذر لهم ينجيهم ، ولا هو بمانع من موانع التكفير ..
فمن ذلك قوله تعالى : ((وبرزوا لله جميعا ، فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ، قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص )) * إبراهيم
وقال تعالى : ((إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا )) الأحزاب .
والآيات في هذا المعنى كثيرة …

هذا وقد ذكر العلامة ابن القيم في كتابه ( طريق الهجرتين ) في سياق ذكره لمراتب المكلفين ( الطبقة السابعة عشر ) وهم : ( طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين معهم تبعا لهم يقولون : إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على أسوة بهم ……. )
قال : (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار ، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة ، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم ، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة )(34) ، وهذا المقلد ليس بمسلم ، وهو عاقل مكلف ، والعاقل المكلف ، لا يخرج عن الإسلام أو الكفر ….. ) إلى قوله :
( والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له ، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به ، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم ، وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل .
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا …)
ثم ساق الآيات التي تذكر عذاب المقلدين المتابعين غيرهم على الكفر .. وأن التابع والمتبوع في النار جميعا .. نحو قوله تعالى : ((وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار ، قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد )) [ غافر : 48 ]
ثم قال : ( فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين ، اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا ، وأصرح من هذا قوله تعالى : (( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا )) [ البقرة : 166-167 ] …) أهـ.

6-وليس من موانع التكفير كون المرتد من أهل العلم ، أو من أهل اللحى أو من الجماعة الإسلامية الفلانية ، أو كونه يحمل دكتوراه !! في الشريعة أو نحو ذلك مما يتوهمه البعض ..
فقد قال تعالى في بعض من كان أعلم أهل زمانه ( من كبار العلماء ) : ((واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين )) وقال تعالى في حق خيرة خلقه وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم : ((ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة … الآيات )) الأنعام .
ويدل على هذا أيضا قصة عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي كان من كتبة الوحي ، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد على عقبيه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ولو وجدوه متعلقا بأستار الكعبة .. ثم انه تاب ورجع إلى الإسلام عام الفتح ، أحضره عثمان بن عفان – وكان أخاه من الرضاعة – إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه .. وقصته برواياتها المختلفة بسطها وتكلم على فوائدها شيخ الإسلام في الصارم المسلول ، والشاهد منها أن كونه من كتبة الوحي عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع من كفره وردته .. لما أتى بسببها..

• لكن يفرق في هذا الباب بين ما كان كفراً صراحاً مخرجاً من الملة فهو على ما ذكرنا ..
وبين ما ليس بكفر من الاجتهاد الخاطئ الذي يؤجر صاحبه على اجتهاده، أو العثرات التي قد يقع بها بعض أهل العلم أو طلبته ، فلا ينبغي أن يساء الأدب معهم لأجلها ، أو يتطاول عليهم بسببها ، أو يزهد بعلمهم أو ينفر الشباب عن كتبهم بها .. خصوصاً إن كانوا من أنصار الدين القائمين به المتبرئين من الطواغيت والمرتدين ..

- ففي صحيح البخاري (كتاب مناقب الأنصار) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ) وذكر فيه أحاديث منها حديث أنس في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنصار وفيه قوله : (أوصيكم بالأنصار …) إلى قوله : ( فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ) ..

- فأنصار الدين الذين هم من أهل الطائفة القائمة بدين الله ، الذين يفنون أعمارهم ويبذلون مهجهم في نصرة دين الله وتوحيده ، لهم نصيب من هذه الوصية النبوية في كل زمان ..
فلتحفظ وصيته صلى الله عليه وسلم فيهم ، وحذار من تسليط السفهاء وتطاول الرعاع عليهم ، فإن في ذلك إقرار أعين أعداء الله ، وأعداء هذه الدعوة المباركة .. ولا يقدم على مثل هذا عاقل أو فقيه ..

7- وليس من موانع التكفير في سبب معين من أسباب الكفر كون من سيكفرون به كثر .. فدين الله لا يحابي أحداً، وقد قال تعالى : ((وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد )) .
وقال تعالى : ((وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين )) وقال سبحانه : (( وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون )) .
وفي الحديث الذي يرويه أبو داود وابن ماجه عن ثوبان مرفوعاً : ( … ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً )) .

قال : ( ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً ) ، ويروى موقوفا على أبي هريرة .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (7/217) ؛ أن أتباع مسيلمة الكذاب نحو مائة ألف أو أكثر .

8- وليس من موانع التكفير باتفاق أهل العلم ؛ قول الكفر على سبيل الهزل واللعب واللهو والمزاح ، ودليله قوله تعالى : ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)) .. فلم يعذرهم الله تعالى بهذا العذر ، مع أنهم كانوا خارجين في غزوة العسرة للقتال مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقالوا تلك الكلمات على سبيل الهزل وشغل الوقت في السفر ، ( حديث الركب نقطع به الطريق) كما جاء في أسباب النزول ..

- يقول أبو بكر ابن العربي (543هـ) : ( الهزل بالكفر كفر ، لا خلاف فيه بين الأمة ، فإن التحقيق أخو العلم والحق ، والهزل أخو الجهل والباطل ) أهـ أحكام القرآن (2/964) وانظر القرطبي (8/197)

- ويقول ابن الجوزي (597هـ) : ( الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ) أهـ زاد المسير (3/465) .

- ويقول النووي (676هـ) : ( والأفعال الموجبة للكفر ، هي التي تصدر عن عمد واستهزاء بالدين صريح ) أهـ روضة الطالبين (10/64) .

- ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول عند قوله تعالى : (( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم )) : ( لم يقل {الله تعالى} قد كذبتم في قولكم ((إنما كنا نخوض ونلعب)) فلم يكذبهم في هذا العذر كما كذبهم في سائر ما أظهروه من العذر الذي يوجب براءتهم من الكفر لو كانوا صادقين ، بل بين أنهم كفروا بعد إيمانهم بهذا الخوض واللعب ) أهـ (517)
أي أنه كفرهم سبحانه وتعالى رغم عذرهم المذكور الذي أدلوا به ، ولم يكذبهم بوجوده سبحانه ، بل أنكر اعتباره ، فدل على عدم اعتبار هذا العذر من موانع التكفير .

- وقال ابن القيم في إعلام الموقعين بعد كلام له تقدم في اشتراط القصد لصحة الأحكام ، قال بعد أن ذكر خبر الذي قال لما وجد راحلته ، بعد أن أضلها : (أللهم أنت عبدي وأنا ربك ) أخطأ من شدة الفرح ؛ ( ولم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر ، لكونه لم يرده ، والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم ارادته ، بخلاف المستهزئ والهازل ، فإنه يلزمه الطلاق والكفر ، وإن كان هازلاً لأنه قاصد للتكلم باللفظ ، وهزله لا يكون عذراً له بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه ، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود ، فهو متكلم باللفظ مريد له ، ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل ، والهزل لم يجعله الله ورسوله عذراً صارفاً ، بل صاحبه أحق بالعقوبة ، ألا ترى أن الله تعالى عذر المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان ، ولم يعذر الهازل بل قال تعالى : ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)) أهـ (3/76) .

- ويقول ابن نجيم الحنفي (1005هـ) : ( ان من تكلم بكلمة الكفر هازلاً ، أو لاعباً كفر عند الكل ، ولا اعتبار باعتقاده ) أهـ . ( البحر الرايق شرح كنز الدقائق ) . (5/134)

9- وليس من موانع التكفير المعتبرة كون المكفِرين لا يقدرون على ترتيب آثار الكفر على من كفروه .. كإقامة حد الردة أو تغير الحاكم الكافر ونحوه .. فهذه شبه يطنطن بها مرجئة العصر .. وقد تقدمت الإشارة إلى أقاويل بعض شيوخهم في ذلك ، في الفصل الأول .. وقد تعلق بذلك وقلدهم به سفهاؤهم وجهالهم ، وهي من سفسطتهم وجدالهم بالباطل ، إذ لو التزموا ذلك لأبطلوا به جميع الأحكام الشرعية ..

- إذ يلزمهم ما دمنا عاجزين عن إقامة حد الزنا ، على من ثبت عليه الزنا بالبينة أو الاعتراف أو نحوه أنه ليس بزانٍ ، وليبحث له عن أخرى !!

- وما دمنا عاجزين عن إقامة حد القتل على القاتل فإنه ليس بقاتل ، ومن ثم فلا دية عليه ولا كفارة ولا توبة .. !!

- وما دمنا عاجزين عن إقامة حد القطع على السارق فلا يحل لنا أن نسميه سارقاً ، إذ ما الفائدة من ذلك –كما يقولون-؟! فلنسمه إذن أميناً ولنسلطه على أموال الناس !!

- وما دمنا غير قادرين على تغيير المنكرات الظاهرة ، فلا يحل لنا أن نعرّف بها أو نحذر منها أو نسميها منكراً ، وما لم تكن منكراً فهي حتماً معروف .. وهكذا …
وفي هذا من الباطل ما يلزم منه فتح أبواب الفساد والإلحاد ، وتسويغه وتهوينه على العباد ..

والحق والصواب في هذا هو ما أمرنا الله تعالى به في محكم كتابه بقوله : ((فاتقوا الله ما استطعتم )) وقال تعالى عن شعيب : ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..))
ومنه وضع الفقهاء قاعدتهم الفقهية المعروفة في أن ( الميسور لا يسقط بالمعسور)

فإذا عجز المسلمون في وقت من الأوقات عن الخروج على الحاكم الكافر وتغييره ، فلا يعني هذا أن يتركوا تكفيره ، بل هذا حكم شرعي يستطيعونه فيجب عليهم أن يتقوا الله فيه .. وفي غيره مما هو من آثار تكفير الحكام ويستطيعونه ، فيجتنبوا نصرته وتوليه والتحاكم إلى أحكامه الكفرية ، ولا يولونه أمر دينهم ، ولا يجعلون له عليهم سبيلا ، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ، ولا يدخلوا في بيعته أو يقاتلوا تحت رايته ، أو يعينوه على باطله أو يظاهروه على مسلم .. إلى غير ذلك مما يملكون فعله ويقدرون عليه ، وأيضاً فإن معرفة كفر الحاكم ، مدعاة إلى العمل الجاد والإعداد الذي يمكن في يوم من الأيام من تغييره ..
بخلاف من كان الحاكم عنده مسلماً ، فإنه لن يرفع بذلك رأساً، ولن يفكر يوماً ما بالإعداد الجاد لتغييره كما هو واقع مرجئة العصر في هذا الزمان ..

فاختلاف الحكم على الحاكم عند كل فريق ؛ هو الفرقان والميزان الذي يزن سلوك كل فريق ويميز توجهه وصبغته ، ما بين موحد كافر بالطاغوت معادٍ له ، أو مجتنب على أقل الأحوال ..
وما بين مبايع له مناصر ، أو مجادل عن باطله مهون من كفرياته .. وواقعنا وواقع خصوم هذه الدعوة أكبر شاهد على هذا .. فليتدبر المنصف أحوال الموحدين وسلوكهم ودعوتهم ومنهاجهم في واقع اليوم ..
ثم لينظر في واقع الخوالف الذين ناموا في أحضان الطواغيت ورضعوا من ألبانهم ، وسلطوا ألسنتهم وأقلامهم على كل من خرج عليهم أو نازعهم ، بلسانه أو سنانه..

10 – وليس من موانع التكفير المعتبرة ؛ سوء تربية ‍المقترف للكفر ، كما زعمه بعض من يقتدى بهم ويشار إليه بالبنان في موانع تكفير ساب الرب أو الدين أو الرسول ، فإن أكثر الكفار والمشركين قد كفروا ونشأوا في الشرك لسوء التربية والتنشئة كما اخبر بذلك الصادق المصدوق فقال صلى الله عليه وسلم : ( يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو يشركانه ) رواه مسلم وغيره .
فلم يمنع ذلك من تكفيرهم .

11- وليس من موانع التكفير أيضاً ، اقتراف شيء من أسباب الكفر الظاهرة الصريحة ، بحجة الاستحسان أو الاستصلاح أو ما يسمونه بمصلحة الدعوة ..!! فليس ثم مصلحة معتبرة في الشرك أو الكفر ، لأنه أعظم ذنب عصى الله به في الوجود ، ولذلك قال تعالى : ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم ؛ أي الذنب أعظم ؟ فقال : ( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ) ..
فهو أعظم المفاسد في الوجود على الإطلاق ، ولذلك كان محبطا لسائر الأعمال قال تعالى : ((ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين )) . وكل مصلحة مزعومة أومدعاة في الشرك أو الكفر فهي مصلحة باطلة ملغاة شرعا ، لم يجعل الشارع لها اعتبارا ..

نعم قد يكون في الشرك مصالح دنيوية وشهوانية لبعض الناس ، يغطونها بمصلحة الدين ، والدين منها براء ..
فالله قد بعث كافة رسله وأنزل جميع كتبه كما هو معلوم لإبطال الشرك وهدم الكفر .. ومن ثم إخلاص العبادة لله وحده .. وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا .. والمقاصد الشرعية المطهرة ، لا يجوز شرعا أن يتوصل إلى تحقيقها إلا بوسائل شرعية مطهرة صحيحة ، تماما كما لا تزال النجاسة ويتطهر منها بنجاسة أخرى ، وكما لا يستنجى من البول بالبول .. فلسنا ميكافيليين(35) تبرر الغاية عندنا الوسيلة .. حتى نختار ما نشتهي من وسائل ، بل قد سد الله جميع الطرق ، ولم يبق لنا إلا طريقا واحدا موصلا إليه وإلى جنته ومرضاته ونصرة دينه وتحقيق سعادة الدارين ؛ ألا وهو الطريق الشرعي التي بعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا من أهم معاني شهادة أن محمدا رسول الله . وقد بين الله ضلال سعي من يستصلحون الكفر ، وخسارة من يستحسنون صنعته ، فقال : ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا )) الكهف .

ورحم الله السلف الذين كانوا يسمون مثل هذه الإستصلاحات التي يلصقها أهلها بالدين : ( خديعة إبليس ) ، يطلقون ذلك على من داهن الأمراء وتقرب إليهم في أزمنة الخلافة والفتوحات ..
كما قال سفيان الثوري رحمه الله لبعض من يناصحه : ( إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء ، وإياك ويقال لك لتشفع عن مظلوم أوترد مظلمه ، فإن ذلك خديعة إبليس ، وإنما اتخذها فجار القراء سلما … ) أهـ.(36)

فتأمل إبطاله استصلاح واستحسان بعض الفقهاء الدخول على الأمراء والدنو منهم بحجة تخفيف الظلم ودرء الفساد .. !! ويسمي ذلك ( خديعة إبليس ) ، وفي أي وقت يقول ذلك .. في أوائل خلافة بني العباس قبل المعتصم وقبل المأمون ونحوهم ممن أظهروا بدعهم وامتحنوا الناس .. وكانت عزة الخلافة وهيبتها قائمة ، وفتوحات المسلمين وجحافلهم تدك حصون الكفر شرقا وغربا ..

فكيف به رحمه الله لو رأى خوالف زماننا الذين لم يتقربوا إلى الطواغيت والمرتدين وحسب .. بل دخلوا في دينهم وأقسموا على احترام دساتيرهم الشركية وشاركوا في تشريع قوانينهم الكفرية وصاروا لهم جندا محضرين وأنصارا مخلصين .. ؟؟
ثم لا يستحيون من أن يلصقوا ذلك الكفر البواح والشرك الصراح كله بالدين .. فيقولون : هي مصلحة الدعوة ونصر الدين !! بل هي مصلحة القروش والكروش .. ورحم الله سفيان إذ يقول : ( إني لألقى الرجل أبغضه ، فيقول لي : كيف أصبحت ؟ فيلين له قلبي ، فكيف بمن أكل ثريدهم ، ووطيء بساطهم ؟؟ ) أهـ من تذكرة الموضوعات ص 25 .
فلا غرابة بعد هذا أن لا يكتفي أصحاب هذه الإستصلاحات الفاسدة الكفرية بالدفع بها عن شركياتهم التي خلطوها بالدين .. فقد تعدوا ذلك ، إلى الدفع والإعتذار بها عن طواغيت الحكم وأنصارهم .. فمن الأعذار المضحكة في هذا الباب ما زعمه نائب ( مشرع ) إخواني ، زارنا في السجن برفقة وزير الداخلية ومساعديه ، وانزعج هو ومن معه لما أبينا السلام عليهم وواجهناهم بكفرهم ، وأظهرنا براءتنا منهم ومن قوانينهم وحكمهم ، ورفضنا - بفضل الله تعالى وتثبيته – أن نتقدم إليهم بأية مطالب ، لما عرضوا ذلك .. وأنكرنا على ذلك النائب ما افتراه علينا في الصحافة من دعوى تكفير الناس ، وبينا له ولمن معه أن ذلك محض افتراء ، فنحن لا نكفر الناس بالعموم ، فليست معركتنا مع عوام الناس ، وإنما مع النظام المحارب لدين الله ، وأننا إنما نكفره ونكفر من نصر قوانينه الكفرية وحرسها أو شارك في تشريعها .. وأننا ندعوهم دوما ليتركوا حراسة القوانين ويصيروا حراسا للشريعة وأنصارا للدين .. إنبرى ذلك النائب يدفع عن تكفير المذكورين بدعوى أنهم ينصرون الدين بمناصبهم هذه ؛ فهم بزعمه يهيئون ويمهدون بمراكزهم ومناصبهم ، لقيام الخلافة التي ستواجه أمريكا – كذا قال – ولم يستحي طرفة عين أن يقول ذلك على مسامعهم – وكان حاضرا يومها أعلى رتب في الأمن العام وأخبثهم وأشدهم حربا للدين – ممن لم يخطر ببال واحد منهم في يوم من الأيام ما زعمه هذا الزاعم وادعاه لهم من الأعذار التي لا يذكرونها هم أبدا ، بل لو تلفظوا بها أو ادعوها فلربما يحاكمون عليها أو يطردون .. ولكن هذا مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من كلام النبوة الأولى : ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت )(37) أما هو فقد دفع عن نيابته التشريعية الشركية ، مرة بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم لحلف الفضول ، ولما قلنا له : إن حلف الفضول الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم إنما قام على نصرة المظلوم بالقوة المادية ، فالتزم هذا ودع عنك التشريع ، فر وهو يصيح : لا ، العمل المادي لا ، نحن مستضعفون ولا عمل مادي في العهد المكي !! قلت : إذن قد سقط استدلالك فلا تعود إلى هذا الدليل ..!

ولذلك استدل هذه المرة علينا لحظة مغادرته للمكان ؛ بفعل نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب .. فلما سألناه : وهل أقسم نعيم بن مسعود على احترام الدساتير الوضعية ؟ أم هل شرع ، لما خذل الأحزاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ، أم هل ارتكب كفرا بواحا أو شركا صراحا كما تفعلون .. ؟ لم يحر جوابا ، وولى مدبرا ..
فصدق سفيان : ( فكيف بمن أكل ثريدهم .. ووطىء بساطهم ) ؟؟

ثالثاً : أسباب التكفير :

السبب الشرعي عند الأصوليين : ( هو وصف ظاهر منضبط يثبت الحكم به من حيث أن الشارع علقه به )(38) أو( هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه )
أو ( هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حكم ، أي يستلزم وجوده ) (39)
وبتعبير آخر هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه ، ولهذا قال العلماء ( الحكم يدور مع علته وجودا وعدما )
والعلة والسبب مترادفان عند أكثر أهل الأصول ، قال في( مراقي السعود) :

ومع علة ترادف السبب والفرق بعضهم إليه ذهب (40)

ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة ذو أركان ثلاثة ؛ هي الاعتقاد والقول والعمل ..
فإن أسباب الكفر تقابل ذلك فهي : إما قول مكفر ، أو فعل مكفر ويدخل فيه (الترك المكفر ) ، أو شك أو اعتقاد مكفر .

- يقول ابن حزم (456هـ) في تعريف الكفر : ( وهو في الدين: صفة من جحد شيئاً مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه ، بقلبه دون لسانه ، أو بلسانه دون قلبه ، أو بهما معاً أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان ) أهـ الإحكام في أصول الأحكام (1/45)

- ويقول تاج الدين السبكي (771هـ) : ( التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة ، أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جاحداً ) أهـ فتاوى السبكي (2/586) .

- ويقول الشربيني الشافعي (977هـ) في (مغني المحتاج) : ( الردة هي قطع الإسلام بنية ، أو قول ، أو فعل ، سواء قاله استهزاءا ، أو عناداً ، او اعتقادا ) أهـ (4/133) .

- ويقول منصور البهوتي الحنبلي ( 1051هـ) : ( المرتد لغة : هو الراجع ، قال تعالى : ((ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين )) [المائدة : 21 ] . وشرعاً : الذي يكفر بعد إسلامه ، نطقاً أو اعتقاداً ، أو شكاً ،أو فعلاً . ) أهـ .(كشاف القناع عن متن الاقناع ) (6/136)
وأقاويل العلماء في بيان ذلك كثيرة ..
وفيها أن أسباب الكفر أو الردة كما قدمنا هي : إما قول مكفر ، أو فعل مكفر ، أو اعتقاد أو شك مكفر ..
وهذه أسباب الكفر عموماً ..

أما أسباب التكفير ، التي تعمل في أحكام الدنيا فتنحصر في : الفعل أو القول المكفر فقط ، وقد ذكرنا الأدلة على أن من الأعمال والأقوال ما هو كفر مجرد مخرج من الملة ، دون شرط ارتباط ذلك باعتقاد فاسد أو جحد أو استحلال في كتابنا (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر ) وأطلنا فيه النفس هناك ، فراجعه فإن ذلك محله .
وقد حصرت الشريعة أسباب التكفير في الدنيا بذلك وحده ..
لأن الاعتقاد والشك أسباب غير ظاهرة ولا منضبطة في أحكام الدنيا ، لذلك لم يعلق به الشارع أحكام الدنيا أو يجعلها أسباباً للتكفير فيها ، وإنما جعل ذلك للذي يعلم السر وأخفى ، فهي لأجل ذلك أسباب للكفر أخروية ، لا علاقة لأحكام الدنيا بها .. ولذلك كان من أبطن الكفر ولم يظهره ، بل أظهر شرائع الإسلام منافقاً يعامل في أحكام الدنيا معاملة المسلمين ، أما في أحكام الآخرة ، فيحاسبه الله على ما أبطن من أسباب الكفر فيكون مصيره الدرك الأسفل من النار ..

وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول ص177-178 : ( وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر ، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً ، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله ) أهـ .
فحصر أسباب الكفر بالقول والفعل المكفر – لأن ذلك هو المعتبر في الدنيا ، ولم يتعرض للأسباب الباطنة الخفية لأنها لا دخل لها في أحكام الدنيا .. وانظر قريبا منه في الصارم ص (370)
وتقدم الكلام على قوله ( وإن لم يقصد أن يكون كافراً ) ، وذلك لأن الشارع ربط الأسباب مع مسبباتها (فإذا وجد السبب وتوافرت الشروط وانتفت موانعه ترتب عليه مسببه حتماً )
( لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعاً ، سواء أقصد من باشر السبب ترتب المسبب عليه أم لم يقصده ، بل يترتب ولو قصد عدم ترتبه ) (41)، ( فليس للمكلف أن يحل الإرتباط الذي ربط به الشارع المسببات بأسبابها ) ولا يقدر عليه أصلاً ، ولو تمنى على الله الأماني ..
وعلى هذا فإذا ارتكب المكلف سبباً من أسباب الكفر الظاهرة ، قول أو فعل مكفر ، وتوفرت الشروط وانتفت موانعه ،كفر، وإن زعم أنه لم يرد بذلك الكفر والخروج من الدين .. فهذا لا يقصد إليه أحد إلا ما شاء الله ، وحتى النصارى ، لو قيل لهم ، هل تريدون الكفر بقولكم إن المسيح ابن الله .؟ لنفوا ذلك وأنكروه .

تنبيه حول أسباب التكفير :
اعلم أنه إذا ما ارتكب المكلف سبباً من أسباب الكفر الظاهرة ، وانتفت في حقه موانع التكفير ، كفر ، ولا يلزم أن يجمع أكثر من سبب كي يكفر ، بل تعدد أسباب الكفر أو علله يغلظ الكفر ويزيده ، فالكفر دركات كما أن الإيمان درجات .. وانظر في هذا (فصل مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتها) من كتاب (طريق الهجرتين ) لابن القيم، ويدل عليه قوله تعالى : (( إنما النسيء زيادة في الكفر ))، والنسيء سبب زائد من أسباب الكفر أضافه مشركوا قريش إلى كفرياتهم الأخرى ، وقال تبارك وتعالى أيضاً ((الأعراب أشد كفراً ونفاقاً)) [التوبة : 93 ]
ففيه أن بعض الكفر أشد من بعض ، وهذا ظاهر ، فمن جمع بين عدد من أسباب الكفر فارتد بترك الإقرار بالشهادتين وترك الصلاة ، وضم إلى هذا الطعن في دين الله وشتم رسوله صلى الله عليه وسلم والتأليب عليه والسعي في حربه كعبد الله بن سعد بن سرح وعبد الله بن خطل ونحوهم ، ممن عددهم وذكر أخبارهم شيخ الإسلام في الصارم المسلول ، لا شك أن ردتهم أشد وأغلظ ممن كفرهم الله تعالى بسبب واحد من أسباب الكفر كالذين استهزءوا بالقراء في غزوة تبوك ، وكالذين ارتدوا بالامتناع عن الزكاة وحدها دون أن يمتنعوا عن الصلاة أو سائر أركان الإسلام ومبانيه ..

والخلاصة أن تعليل حكم الكفر بأكثر من علة أو سبب ليس بشرط للتكفير، وإنما يزيد ذلك حكم التكفير تأكيداً فيكون الكفر فيه أشد وأغلظ ..
كما قد يعلل التحريم أحياناً بعلتين لتأكيد تحريمه ، كما في تحريم نكاح الربيبة(42) ، إذا كانت محرمة بالرضاع إضافة إلى كونها ربيبة ، واستدل العلماء لذلك بحديث أم حبيبة في الصحيحين أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إننا نتحدث أنك ناكح درة بنت أم سلمة ، فقال صلى الله عليه وسلم : (إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ، لأنها بنت أخي من الرضاعة ، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة أبي لهب ).
وقد كان الإمام احمد يقول في بعض ما يغلظ تحريمه: ( هذا كلحم خنزير ميت ) يقول ذلك لتغليظ التحريم وتقويته ، ومثل تأكيد قتل من قتل وارتد وزنى وكان محصناً .. وهكذا (43)

ومن هذا الباب كفر طواغيت الحكام في هذا الزمان ، فإنه كفر مغلظ زائد ، لأنهم قد جمعوا أسباباً عديدة للكفر فخرجوا من الدين من أبواب شتى .. كالتشريع مع الله ما لم يأذن به الله ، والحكم بغير ما أنزل الله ، واتباع وابتغاء غير دين الله من مناهجهم الكفرية المبتدعة كالديمقراطية ونحوها .. وتولي اليهود والنصارى ومظاهرة إخوانهم المرتدين من طواغيت الدول المختلفة على المجاهدين الموحدين ، وفتح أبواب الاستهزاء بالدين والترخيص لوسائله المرئية والمسموعة والمقروءة .. وغير ذلك مما يضيق المقام عن حصره وتعداده …



(1) عن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (10/215)

(2) أو يفرق بين الداعية وغيره كما سياتي عنه ذلك، وهذا يندرج تحت الإحتمال الثاني لأن الداعية مظنة للعلم ، وانتفاء مانع الجهل ونحوه ..

(3) أنظر في هذا إرشاد الفحول للشوكاني ص 25 والواضح لمحمد سليمان الأشقر ص 31 .

(4) وخالف بعضهم في ذلك ، منهم القرافي ، ورد عليه فيه العلامة ابن القيم ، أنظر بدائع الفوائد (4/12)

(5) رواه مسلم وقد ألحق بعض العلماء في مانع انتفاء القصد بالخطأ من شدة الفرح ، الخطأ من شدة الغضب ( الإغلاق ) بحيث لا يعقل المرء ما يقول .. أنظر اعلام الموقعين (4/50) : ( لو بدرت منه كلمة الكفر في الغضب الشديد لم يكفر ..) وفي ذلك خلاف ، وعلى كل حال فيجب التفريق عند من يقول بذلك بين من اعتاد الهجوم على المكفرات في حال الغضب والرضى ، وبين من كان أصله الصلاح والتقى .

(6) أنطر صحيح البخاري كتاب المغازي وغيره .

(7) ولذلك اختلف العلماء بمن نطق بكلمة الكفر حال السكر ، فرأى بعضهم أن السكران الطافح الذي لا يعلم ما يقول لا عبرة بأقواله ردة وإسلاماً ، قال شيخ الإسلام : ( لا يحكم بكفره في أصح القولين كما لا يقع طلاقه في أصح القولين . وإن كان النزاع في الحكم مشهوراً ) أهـ (10/39)
وانظر إعلام الموقعين (5/49) واستدل من قال بذلك بحديث حمزة المذكور أعلاه وبقوله تعالى ( حتى تعلموا ما تقولون …) فمفهومه أن السكران الطافح لا يقصد أقواله وأفعاله .. وفصل بعضهم بين ما كان من خطاب التكليف وبين ما كان من خطاب الوضع ، وأنت ترى أن أدلة المعتبرين لهذا المانع كلها قبل تحريم الخمر ولذلك رجح القاضي عياض في الشفا عدم اعتباره (2/232) ونقل عن بعض أهل العلم القول بقتل شاتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره وألزمه الطلاق والعتاق والقصاص والحدود …. (2/231-232) وانظر أيضاً المغنى لابن قدامة (كتاب من ارتد وهو سكران ..) .

(9) عن فتح الباري كتاب الدعوات (باب التوبة )

(10) ما بين المعكوفين زيادة ليست في طبعة دار الجيل يقتضيها السياق .

(11) كذا في الأصل في ط . دار المعارف ، ولعل الصواب هنا : ( وهو جاهل ) والله أعلم .

(12) أي إرادة اختيار اللفظ ، وهو الاختيار الذي يقابل مانع الإكراه .

(13) أي إرادة المعنى ، وهو القصد والعمد الذي نتكلم فيه هنا ، والذي يقابل مانع الخطأ أو انتفاء القصد .

(14) أي نوى مراد أهل العربية بهذا اللفظ وهو لا يعرف مرادهم ما هو .

(15) أنظر شرح العقيدة الطحاوية لأبن أبي العز الحنفي ، عند كلامه حول رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة .

(16) سيأتي الحديث وكلام أهل العلم فيه في أخطاء التكفير ، وزيادة ( إلا التوحيد ) معلومة من دين الله ضرورة ، ومع هذا فقد رواها الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعة ومن حديث ابن مسعود موقوفا .

(17) عن تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ، ص185.

(18) رواه مسلم عن أنس مرفوعا ، ومثله ما رواه الإمام أحمد (4/11) : ( إن أمي وأمك في النار ) . وفي صحيح مسلم ( استأذنت ربي أن استغفر لأمي فلم يأذن لي … )

(19) أنظر فتح الباري (كتاب الإكراه ) .

(20) وانظر المغني لابن قدامة كتاب المرتد ( فصل ومن أكره على الكفر …)

(21) انظر المغني لابن قدامة كتاب المرتد ( فصل ومن أكره على الكفر …)

(22) أنظر ( سبيل النجاة والفكاك ) للشيخ حمد بن عتيق ص 62 ( الحالة الثالثة : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن وهو على وجهين : أحدهما أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له وتهديده بالقتل ، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئن بالإيمان كما جرى لعمار، قال تبارك وتعالى : ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )) . ) أهـ وسيأتي كلامه على الوجه الثاني قريبا ..

(23) أنظر المغني الموضع السابق نفسه .

(24) كأن هذا هو آخر كلام الإمام أحمد وما بعده شرح صاحب المغني والله تبارك وتعالى أعلم .

(25) الحديث أصله في الصحيحين .

(26) أنظر على سبيل المثال المغني ( كتاب القضاء ) مسألة : ( وإذا شهد عنده من لا يعرفه …) ، والمراد من هذا هنا ما يتعلق بالشهادة على الردة و التكفير ، أما في سائر أبواب الفقه الأخرى ، فمعلوم أن فيها تفصيل ، ففي الزنا لا تثبت الشهادة بأقل من أربعة شهداء ، وفي الدين والرجعة شهادة عدلين ، وثبت قضاء النبي صلى الله عليه وسلم في الحقوق والأموال بالشاهد الواحد واليمين عند تعذر الشاهدان ، وفي الوصية في السفر تقبل شهادة كافرين إذا لم يوجد المسلمان العدلان كما في سورة المائدة ، وهو من مواضع الحاجات التي راعتها الشريعة ، ومثلها ما جوزه العلماء من شهادات الصبيان على بعضهم في الجراحات التي تكون بينهم ولا يحضرها غيرهم ، وشهادة النساء منفردات على بعضهن في المواضع التي لا يوجد فيها غيرهن ، وانظر في ذلك وفي نصاب الشهادة وبعض الفوائد المتعلقة فيها ؛ اعلام الموقعين (1/91) فصاعدا .

(27) أنظر على سبيل المثال الفتاوى (20/59) .

(28) وانظر في أمثال ذلك أيضا كتابنا ( إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر ) و ( ملة إبراهيم ) و( كشف شبهات المجادلين عن عساكر الشرك وأنصار القوانين ) وانظر أيضا كتاب ( الجامع في طلب العلم الشريف ) للشيخ عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله ، ولا بد لي من أن أنوه هنا ، أنني قد استفدت منه واختصرت من بعض مباحث الجزء الثاني منه بتصرف ، فقد يسر الله تعالى إدخاله إلى السجن خفية عن طريق أخوة أفاضل طلبوا مني أن أنصح لهم في الكتاب ، فكتبت عليه بعض التنبيهات ، سميتها : ( النكت اللوامع في ملحوظات الجامع ) ، وأذكر ذلك هنا من باب نسبة الفضل إلى أهله ، كما قد قال مصنف الجامع نفسه ص 858 نقلا عن ابن عبد البر وأنه ( من بركة العلم ) .

(29) أنظر الواضح في أصول الفقه لمحمد سليمان الأشقر ص 32

(30) مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 282 ، وانظر إرشاد الفحول ،( الفصل الخامس ) ( فيما لا يجري فيه القياس ) ص 375.

(31) هذا هو الوجه الثاني من حال المذكورين أعلاه ، وتقدم كلامه في الوجه الاول في الهامش في مانع الإكراه ، وهو الذي يكون في سلطانهم مع ضربهم وتقيدهم له وتهديده بالقتل .

(32) لأنه وافقهم على إظهار الكفر دونما إكراه حقيقي ، وإنما تنفع كراهية الباطن المكره على كلمة الكفر إكراها حقيقيا ، أو المستضعف الذي يكتم إيمانه إذا لم يظهر منه ما يناقضه .

(33) فكيف بما هو دون ذلك من القشور وسفاسف الأمور التي يعتبرها البعض موانع من تكفير الطواغيت المحاربين للملة ؛ كتسمية الشوارع أو المدارس أو المعارك بأسماء الصحابة أو نحو ذلك من الأسماء الإسلامية ، وهو الشيء اعتبره الشيخ الألباني مانعا من موانع تكفير طاغوت العراق لما سئل عنه في بعض فتاواه المسجلة صوتيا .

(34) أخرجه مسلم في (كتاب الإيمان ) حديث ( 178)

(35) نسبة إلى نقولا ميكافيلي صاحب كتاب الامير الذي اودع فيه خلاصة تجاربه بين الأمراء ودون فيه نصائحه التي تضمن لهم حفظ عروشهم ، وأشهرها " الغاية تبرر الوسيلة " .

(36) سير أعلام النبلاء (13/586) ولنا في هذا الباب رسالة لطيفة بعنوان ( القول النفيس في التحذير من خديعة إبليس) أوردنا فيها فتوى لشيخ الإسلام حول رجل من اهل السنة قصد إلى هداية جماعة من قطاع الطرق بأن أقام لهم سماعا بدف بشعر مباح واستدرجهم بذلك حتى اهتدى منهم جماعة صاروا يتورعون عن الشبهات بعد أن كانوا لا يتورعون من الكبائر ، فأبطل شيخ الإسلام هذه الطريقة البدعية رغم ما فيها من مصلحة ظاهرة وبين أن هذا الشيخ جاهل بالطرق الشرعية أو عاجز عنها وأن في الطرق الشرعية غنية عن أمثال هذه الطرق البدعية ، أنظرها في مجموع الفتاوى ( 11/337) جزء التصوف ، فكيف به رحمه الله تبارك وتعالى لو رأى استحسانات واستصلاحات من دخلوا في الكفر في زماننا بحجة مصلحة الدعوة والدين ؟

(37) رواه البخاري وغيره من حديث أبي مسعود البدري .

(38) انظر الواضح في أصول الفقه لمحمد سليمان الأشقر ص 31

(39) أنظر إرشاد الفحول للشوكاني ص 24 والمناط : من ناط الشيء أي علقه ، ومنه ( ذات أنواط ) ويطلق المناط على العلة أو السبب لأن الحكم يعلق به .

(40) أنظر مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص 42 ، ومن فرق بينهما لم يخالف في أن كلا من العلة والسبب علامة على الحكم أو أن كلا منهما بني الحكم عليه وربط به وجودا وعدما ، فالعلة والسبب في ذلك كله مترادفان ، وإنما فرق من فرق بينهما في حكمة الربط بين ما ربط به الحكم ، فإن كانت الحكمة والمناسبة في هذا الربط معلومة تدركه عقولنا فهو علة وسبب ، وإن كانت مما لا تدركه عقولنا سمي سببا فقط ، ولا يسمى علة ، فالسفر عندهم علة وسبب لقصر الصلاة ، والزوال سبب لا علة لإيجاب صلاة الظهر ، فكل علة سبب وليس كل سبب علة عند هؤلاء المفرقين ، من هذه الحيثية فقط .
ومن جهة أخرى قسم البعض العلة إلى علة تامة وعلة غير تامة ، فالعلة التامة : هي التي تستلزم الحكم ويدور معها وجودا وعدما بحيث إذا وجدت وجد الحكم ولا يتخلف عنها ، فيدخل في لفظ العلة على هذا توفر الشروط وعدم الموانع ، أما غير التامة : فهي ما يقتضي الحكم ، لكن يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع ، وهذه يسميها من يقسم هذا التقسيم بالسبب .
فالأولى ما لا يتخلف الحكم عنها ، والثانية ما يحتمل تخلفه لقيام مانع أو عدم شرط .. فالمسألة اصطلاحية تبعا لارتباط العلة أو السبب بالشروط والموانع .. وانظر الفتاوى (21/204) .

(41) أنظر اصول الفقه لعبد الوهاب خلاف ص118 ومثلوا لذلك بمن طلق زوجته رجعيا بثبوت الرجعة له ولو قال عند الطلاق : ( لا رجعة لي ) أو بمن سافر في رمضان بأنه يباح له الفطر سواء أقصد إلى الإباحة أم لم يقصد ..الخ ، فالأحكام كما تقدم تدور مع عللها وأسبابها وجودا وعدما .

(42) الربيبة : بنت الزوجة من غير الزوج الذي معها .

(43) انظر في موضوع تعليل الحكم بعلتين أو أكثر وتفريعاته كتب الأصول المختلفة ، وانظر أيضا مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (20/94) فصاعدا .
للعودة الى الفهرس

tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net
* إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * في حال عدم ظهور اسم كاتب موضوع " ما " بجوار عنوان موضوعه .. فإن ذلك إما لكون اسم المؤلف غير معروف لدينا .. أو أنه مذيل في نهاية الموضوع !