منبر التوحيد و الجهاد - قراءة مادة: العذر بالجهل وقيام الحجة
 الجديــد | محــرك البحــث | برنامج المنبر| خارطة الموقع | اتصل بنا | تجاوز الحجب | المنتــدى | English
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة عقيدة أهل الجنة الإيمان والكفر العذر بالجهل وقيام الحجة العذر بالجهل وقيام الحجة

العذر بالجهل وقيام الحجة
Share


                        الكاتب : أبو بصير الطرطوسي
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة

ملحق
إتماماً للفائدة، وزيادة في النفع، واستشرافاً لما عند الله تعالى من الأجر العظيم، نضيف هذا الملحق الذي يتضمن الإجابة على الأسئلة التي وردتنا عبر موقعنا على الإنترنت، ذات العلاقة بموضوع العذر بالجهل وقيام الحجة، سائلين الله تعالى التوفيق والقبول.

* * *

س1) ما حكم من يكفِّر الدعاة والعلماء الذين دخلوا المعترك الديمقراطي، وقال يكفرون بلا إقامة الحجة؟!

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

لا يقدم على تكفير مجموع العلماء والدعاة بالجملة الذين دخلوا المعترك الديمقراطي أو أقروه، عاقل يتقي ربه، ولا يقدم على هذا الفعل الشنيع إلا كل جاهل هان عليه دينه، ملوث بشبهات الغلاة من الخوارج، إن لم يكن هو من الغلاة الخوارج!

لكن من كفر آحاد الدعاة بعينه لدخوله المعترك الديمقراطي وتلوثه بها وبمزالقها، فإنه يُنظر إلى حاله: إن كان من ذوي العلم والاجتهاد، وأصوله أصول أهل السنة والجماعة، ولم يُعرف عنه غلو ولا إرجاء، ثم هو كفَّر ذلك الداعية لقرائن تلزمه بتكفيره شرعاً، قد لا تكون هذه القرائن ظهرت لغيره، فمثل هذا ليس عليه شيء - حتى وإن أخطأ في الحكم - ولا يجوز أن يُشنع عليه تكفيَره لذلك الداعية!

أما إن كان ذلك المكفِّر لذلك الداعية من عوام الناس، أو ممن عُرفوا بالطلب للعلم لكن أصوله أصول الغلاة المخالفة لأصول أهل السنة والجماعة، أو قد عُرف بالغلو والتنطع وكثرة الهوى، فمثل هذا يُنكر عليه، ولا يُلتفت إلى تكفيره، ولا يُعتد به، وهو متهم سواء أصاب أم أخطأ.

والمسألة قد بحثناها بشيءٍ من التفصيل في كتابنا "حكم الإسلام في الديمقراطية والتعددية الحزبية" فليراجعه من أراد المزيد.

* * *

س2) ماذا يقول فضيلتكم في مسألة كفر التعيين بالنسبة للأحزاب المرتدة، أي هل ترون أن موانع التكفير تشمل المنتمين والمقاتلين في صفوف المرتدين أم لا؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

الأحزاب المرتدة المعاصرة متفاوتة ومتباينة فيما بينها من حيث صراحة الكفر ووضوحه، ومن حيث وقوعها وممارستها للكفر البواح، فيوجد فرق مثلاً بين الحزب الشيوعي الذي تقوم مبادئه على الإلحاد ومحاربة الأديان، وإنكار وجود الله، وبين حزب مرتد آخر جمع بين الحق والباطل، يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ويدعو عناصره إلى التمسك بالفضائل العامة، واجتناب الرذائل المشينة، وتحرير الأوطان وغير ذلك!

فالذي ينتمي للحزب الأول الشيوعي لا يُعذر بالجهل ولا بأي مانع آخر من موانع التكفير، ويكفر بعينه ولا بد، وبخاصة إن بلغ به الأمر إلى درجة أنه يقاتل في صفوفهم ضد أهل الإيمان والتوحيد، بخلاف الحزب الآخر الذي يحتمل وجود العناصر المضللين فيه نحو كفر وعمالة الحزب الذي ينتمون إليه، فهؤلاء لا شك أن ساحة التأويل والأعذار تتسع بحقهم بعض الشيء؛ فلا يُكفَّرون بأعيانهم إلا بعد قيام الحجة الشرعية التي تدفع عنهم الجهل الذي كان سبباً في انتمائهم لهذا الحزب أو ذاك، وبخاصة إن كانوا من أهل القبلة والصلاة!

بمعنى آخر؛ كلما اشتد كفر الحزب المرتد، وكان كفره ظاهراً بواحاً، كلما ضاقت ساحة الأعذار والتأويل بحق أفراده ولحق بهم حكم الكفر بأعيانهم وذواتهم، وكلما كان كفر الحزب المرتد خفياً أو مبطناً وغير بائنٍ إلا للمتخصصين، كلما اتسعت - ولا بد - ساحة التأويل والأعذار بحق أفراده التي تمنع من تكفيرهم بأعيانهم إلى أن تقوم عليهم الحجة من جهة نذارة الرسل، وبخاصة إن كانوا من أهل القبلة وعوام الناس!

وعليه فالقول بأن كل من ينتمي لهذه الأحزاب كفار بأعيانهم ولا يُعذرون بأي مانع من موانع التكفير، هو قول غير دقيق ولا سديد، وكذلك من يقول أن كل من ينتمي لهذه الأحزاب من الأفراد معذورون بموانع التكفير، ولا بد من قيام الحجة على أعيانهم قبل القول بكفرهم، هو قول غير دقيق ولا سديد!

والحق الذي نعتقده صواباً؛ هو التفصيل بين شخص وشخص، وبين حزب وحزب، كما تقدم في أول الجواب على هذا السؤال.

والله تعالى أعلم

* * *

س3) هل الحكام الذين يحكمون المسلمين في الوقت الحاضر كفار كلهم بأعينهم؛ أي نستطيع أن نقول فلان بن علان كافر أم لا، أم أننا نكفرهم جملة لا تفصيلاً؛ أي نقول الحكام في الوقت الحاضر كفار، ولا نقول فلان بن فلان كافر، وأين موقع العذر بالجهل وإقامة الحجة عليهم؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

لا استحسن كلمة "كلهم" ومثيلاتها من الكلمات العامة التي لا تستثني أحداً عندما يُتكلم في مسائل الكفر والإيمان؛ لأن كلمة "كلهم" تشمل حكام أفغانستان الطالبان، وحكام الشيشان من إخواننا المجاهدين، وغيرهم من الحكام الذين نجهل حالهم ووصفهم على وجه التحقيق والذي يمكننا من إصدار الأحكام بحقهم!

ولكن الذي يمكننا قوله، وهذا الذي تطمئن إليه النفس: أن أغلب حكام المسلمين وبخاصة منهم حكام بلادنا، هم كفار مرتدون بأعيانهم، وقولي بأعيانهم؛ أي يمكنك أن تحكم عليهم بالكفر والردة بأسمائهم وأشخاصهم، ولا يجوز التردد أو التوقف في ذلك!

أما هل يُعذرون بالجهل أو بمانع من موانع التكفير؟

فأقول: هؤلاء الطواغيت لا يُعذرون بالجهل ولا بمانع من موانع التكفير التي تكلم عنها أهل العلم، وإقحام مسألة العذر بالجهل أو الحديث عن الموانع في هذا الموطن، هو هزء بالدين وهو من قبيل تعطيل أحكام الله تعالى من أن تأخذ طريقها إلى حيز الواقع والوجود، والقول بعذر إبليس بالجهل ربما يكون أصوب من القول بعذر طواغيت الحكم هؤلاء بالجهل، والقول بضرورة قيام الحجة على إبليس قبل تكفيره لربما يكون أكثر استساغة من القول بضرورة قيام الحجة على هؤلاء الطواغيت قبل تكفيرهم، وكلاهما خطأ وباطل!

* * *

س4) هناك أخ يقول أن هؤلاء القوم - النصارى في بلاد الغرب - هم ضالون وكفار بمجملهم ثم يقول: إنه لا يكفر معينهم حتى يقيم عليه الحجة؛ أي حتى يكون كافراً معانداً، أما دون ذلك فهو لا يكفرهم، فما نصيحتكم لهذا الأخ، وما حكم من يقول ذلك، وجزاكم الله خيراً؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

النصارى - أينما كانوا - كفار بنص الكتاب، كما قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم}، وقال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد}.

ومن لا يكفرهم لزمه رد الكتاب وتكذيب آيات الله تعالى، وهذا عين الكفر البواح، وعليه وعلى أمثاله تحمل القاعدة المعروفة: من لم يكفر الكافر أو شك في كفره فقد كفر!

ثم إذا كان صاحبكم لا يرى كفرهم على التعيين فماذا يقول فيهم، هل يحكم عليهم بأنهم مسلمون؟!

فالمرء إن لم يكن مسلماً كان كافراً، وإن لم يكن كافراً كان مسلماً ولا خيار ثالث بينهما، فإن كان لا يرى كفر أعيانهم لزمه - ولا بد - بأن يحكم عليهم بالإسلام، وهذا كفر آخر إذ يسمي الكفر والشرك إسلاماً وإيماناً!

ونصيحتنا له: بأن يتقي الله ربه، وأن لا يقدم بين يدي الله ورسوله بشيء، وأن يطلب العلم، ويسأل إن جهل فإن دواء الجهل سؤال أهل العلم، كما قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

* * *

س5) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى [12/488 – 489]: (ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوا به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع).

ما تعليقكم على هذه المقولة بالتفصيل، مع عدم إغفال أن المجادلين عن طواغيت العصر كثيراً ما يتكئون على ما نقله شيخ الإسلام عن الإمام رحمهما الله في دفاعهم عن الطواغيت؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

ورد كلام شيخ الإسلام الآنف الذكر في معرض حديثه عن الكفر العام والكفر المعين، وأن الكفر العام لا يستلزم دائماً تكفير المعين، ثم استدل بكلام الإمام أحمد رحمه الله على مخالفيه من أهل التجهم والاعتزال الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وليس كلام الله، وكيف أنه كفر بعضهم بأعيانهم - بسبب هذا القول - وكيف أنه أمسك عن تكفير البعض وحللهم من ظلمهم له، منهم الخليفة في زمانه كالمعتصم وغيره الذي نصر القول بأن القرآن مخلوق لظنه أن هذا هو الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه!

والذي حمل الإمام أحمد رحمه الله على تكفير البعض بأعيانهم، والإمساك عن البعض رغم اشتراكهما بنفس الذنب والكفر، هو لثبوت شروط التكفير، وانتفاء موانعه ببعض، وانتفاء الشروط وثبوت الموانع عن البعض الآخر، وكان من هؤلاء الآخر الخليفة الحاكم في زمانه، لعلم الإمام أن الذي حمله على هذا القول وهذا الظلم الذي نصر فيه قول المعتزلة في مسألة خلق القرآن أنه لم يرد به التكذيب ومجرد الجحود للصفات وتشبيه الخالق بالمخلوق، وإنما حمله على هذا الظلم التنزيه والتعظيم للخالق كما كان يظن!

لنقرأ الأسطر التي تلي الأسطر التي ذكرتها في سؤالك من كلام شيخ الإسلام وفي نفس الصفحة والمصدر يتضح لك كل ما تقدم حيث يقول رحمه الله: (وقد نقل عن أحمد أنه كفر به - القول بخلق القرآن - قوماً معينين، فأما أن يُذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال: من كفر بعينه؛ لقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه، ومن لم يكفره بعينه، فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم، والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة، والإجماع...) اهـ.

هذا هو سبب إمساك الإمام أحمد عن كفر الخليفة في زمانه، فهل الذين يمسكون عن تكفير الطواغيت في هذا الزمان لهذا السبب أو نحوه؟!

فهل هذا الكفر البواح المتعدد والمتنوع الذي يظهر من طواغيت هذا الزمان أرادوا منه التعظيم والتنزيه للخالق سبحانه وتعالى، كما كان مقصود ومراد المعتصم وغيره،حتى يُحمل عليهم مقولة الإمام أحمد في خلفاء زمانه؟!

وهل طواغيت الحكم في هذا الزمان يسيِّرون كتائب الجهاد في سبيل الله لمواجهة أعداء الأمة كما كان يفعل المعتصم وغيره من حكام العباسيين، حتى يُحمل عليهم ما قاله الإمام أحمد في المعتصم وغيره؟!

وهل طواغيت زماننا يحكمون بما أنزل الله، ويحبون الحكم بما أنزل الله ويحرصون عليه كما كان حال الخلفاء زمن الإمام أحمد، حتى يُحمل عليهم ما قاله الإمام أحمد في خلفاء زمانه؟!

وهل طواغيت الجور في زماننا عندما يعتقلون الدعاة والعلماء ويفتنونهم عن دينهم بالتعذيب وغيره، هل مرادهم من ذلك كله أن يحملوهم على مراد الشارع كما كان مراد المعتصم من الإمام أحمد؟!

فإذا علمنا أنهما لا يستويان مثلاً - ولا يجوز القول بغير ذلك - علمنا خطأ أولئك الفادح عندما يحملون مقولة الإمام أحمد التي قالها في خلفاء زمانه على طواغيت زماننا، وعلمنا كذلك بيقين أنه ليس لهم أدنى حجة في ذلك وهم في معمعة الجدال عن طواغيت الحكم في هذا العصر.

والله تعالى أعلم

* * *

س6) هل يجب قيام الحجة على طواغيت الحكم المعاصرين، قبل الحكم عليهم بالكفر؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

قيام الحجة تجب على من يقع في المخالفة عن جهل لا يمكن له دفعه؛ أي أنه عاجز عن دفع جهله، وهؤلاء الطواغيت المسؤول عنهم ليسوا كذلك، بل هم من أعلم الناس بدين الله تعالى، لذلك تجدهم يحسنون وضع الخطط لمحاربة الإسلام كخبراء بتعاليم هذا الدين وبمدى خطورتها عليهم!

والذي يطالب بقيام الحجة على هؤلاء الطواغيت كشرط لتكفيرهم، هو المغفل الجاهل الذي ينبغي أن تقام عليه الحجة، وليس هؤلاء الطواغيت!

* * *

س7) كيف نوفق بين حديث كل مولود يولد على الفطرة، وبين قول عائشة رضي الله عنها للطفل المتوفى أنه طائر من طيور الجنة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قولها ذلك، وجزاكم الله خيراً؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

مصير أطفال المشركين يوم القيامة هي من جملة المسائل التي اختلف فيها أهل العلم، والصواب الذي نراه: أن أطفال المشركين - وإن ولدوا على الفطرة - إلا أنه لا يُجزم لهم بجنة ولا نار؛ على اعتبار علم الله تعالى بما كانوا عاملين لو قدر لهم الحياة.

ولما سُئل صلى الله عليه وسلم عن مصير أطفال المشركين يوم القيامة، قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).

أي يترك أمرهم إلى علم الله تعالى فيهم؛ فلا نجزم لهم بجنة ولا نار، وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، ونقله أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.

والله تعالى أعلم

* * *

س8) قال الطحاوي: (ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا نارا)، فإذا مات شخص على الكفر فهل يجوز لنا أن نشهد له بالنار أم ماذا؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

مراد الطحاوي رحمه الله: (ولا ننزل أحداً منهم...)، أي من أهل القبلة، لا نشهد لأحد منهم بجنة ولا نار إلا ما ثبت في حقه النص أنه من أهل الجنة كالمبشرين العشرة من الصحابة وغيرهم.

أما الكافر؛ إن مات على الكفر فإننا نشهد له بالنار لقوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار).

* * *

س9) ما حكم الإسلام في الجهمية المعطلة، وفي من يقول بقولهم؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

بالنسبة للجهمية المعطلة كطائفة فهي طائفة كفر وردة لقيام أصولها على جحود الخالق وتعطيل أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ولا أعرف أحداً من أهل العلم من توقف عن تكفيرهم.

ولكن في تكفير الواحد المعين منهم، لا ينبغي الإقدام عليه إلا بعد النظر في توفر شروط التكفير بحقه، وانتفاء موانعه عنه، فقد كان الإمام أحمد رحمه الله رغم قوله بكفر قولهم إلا أنه كان يمسك عن تكفير كثير منهم بأعيانهم لعدم ثبوت شروط التكفير بحقهم عنده، وكان يدعو ويستغفر لبعضهم!

قال ابن تيمية في "الفتاوى" [23/348]: (إنما كان - أحمد - يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته؛ لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة، ولأن حقيقة أمرهم يدور على التعطيل.

وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم؛ فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يدعو فقط، والذي يكفر مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، وغير ذلك ويدعون الناس إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفرون من لم يجبهم حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يقر بقول الجهمية: أن القرآن مخلوق، وغير ذلك، ولا يولون متولياً ولا يعطون رزقاً من بيت المال إلا لمن يقول بذلك، ومع هذا فالإمام أحمد رحمه الله تعالى ترحم عليهم، واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول، ولا جاحدون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطأوا، وقلدوا من قال لهم ذلك.

وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله) اهـ.

قلت: من باب أولى الإمساك عن تكفير من وافق الجهمية في بعض قولهم والنظر إلى شروط التكفير والموانع بحقه، وبخاصة إن كانت أصوله الأخرى أصول سنية، وبخاصة إن كان من ذوي العلم والاجتهاد المتقدمين في خدمة الدعوة والسنة، وبخاصة إن كان خطؤه الذي وقع فيه ناتجاً عن اجتهاد وتأويل، فمثل هؤلاء لا بد من أن نتأول لهم - ونترحم عليهم - ونثني عليهم خيراً فيما أصابوا فيه الحق، مع بقاء القول بخطئهم فيما أخطأوا فيه، وكفر قولهم إن كان يرقى إلى درجة الكفر.

والله تعالى أعلم.

قال الذهبي في السير [30/45]: (غلاة المعتزلة، وغلاة الشيعة، وغلاة الحنابلة، وغلاة الأشاعرة، وغلاة المرجئة، وغلاة الجهمية، وغلاة الكرامية، قد ماجت بهم الدنيا، وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما اتبع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة الحسنات) اهـ.

هذا ما يقتضيه الإنصاف، وما أقل أهله!

* * *

س10) لقد تأصل عند جهمية عصرنا أن تكفير المعين لا يجوز القول به على الإطلاق إلا بتحقق الشروط وانتفاء الموانع، سواء في أصول الدين أو في فروعه، ناسبين هذا التأصيل إلى أئمة الدعوة السلفية - ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب - فما مدى صحة هذا التأصيل وهذه النسبة، مع العلم أننا لم نتمكن من الوقوف على ما كتبته في كتابيك: العذر بالجهل، وقواعد في التكفير؟!

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

هذا المعين إما أنه غير مسلم، وإما أنه مسلم؛ فإن كان غير مسلم يُكفر بعينه واسمه - ولا يجوز أن يُشهد له بغير ذلك أو يتوقف فيه - إلا أنه لا يُشهد له بالنار إلا بعد بلوغه نذارة الرسل؛ ونذارة الرسل تبلغه ببلوغه المعلومة التي تفيد بأن محمداً رسول الله للعالمين، أرسله الله تعالى بشهادة التوحيد.

أما إن كان مسلماً ثم أحدث كفراً بقول، أو فعل، أو اعتقاد، يُنظر إليه إن كان من ذوي الأعذار التي تقيل العسرات - وهي الموانع - التي جامعها العجز الذي لا يمكن دفعه، بحيث يقع في المخالفة - ولو كانت كفراً - لعجزٍ لا يمكن له دفعه، فمثل هذا لا يجوز أن يُحكم عليه بالكفر بعينه إلا بعد قيام الحجة التي تدفع عنه العجز فيما قد خالف فيه، وهو ما يُسمى بالشروط، ولا فرق في ذلك بين الأصول والفروع!

أما إن كان قد وقع في الكفر عن غير عجز لا يمكن له دفعه؛ أي أنه وقع في الكفر من غير عذر معتبر، وهو قادر على أن يدفعه لكن لا يفعل لسبب من أسباب الدنيا ومشاغلها، فمثل هذا - لو وقع في الكفر البواح - يُكفَّر بعينه ولا بد لانتفاء موانع التكفير عنه!

فهذه المقولة - "تكفير المعين لا يكون إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع" - هي حق، ولكن كثيراً من الأحيان توضع في غير موضعها، ويريدون بها باطلاً، ويحملونها على طواغيت وأئمة في الكفر هم أعلم من إبليس!

كما أن هذه المقولة المجملة، قد حملوها من سقيم أفكارهم وإرجائهم ما يخرجها عن دلالاتها الشرعية التي قصدها أهل العلم في كلامهم وأبحاثهم!

أما قضية التفريق بين الأصول والفروع؛ فقد تقدمت الإشارة أنه لا يوجد فرق بينهما، ولا يُعرف عن أحد من السلف من فرق بينهما من حيث العذر، إن كانت هذه المخالفة وقعت عن عجز لا يمكن دفعه.

والذي فرق بينهما من أهل العلم يُحمل كلامه على أنه لا عذر في مخالفة الأصول لاستفاضة العلم في الأمصار التي يعيشون فيها أو يقصدونها من كلامهم، وأن العلم متيسر للجميع لمن أراده وقصده، لذا من يقع في الكفر أو الشرك لا يُعذر، لا لأنه وقع في الكفر أو الشرك، بل لأنه وقع فيه عن غير عجز، وهو قادر على أن يدفعه وما فعل، فما الذي منعه؟!

لذلك عذروا - في هذا الموضع - في الفروع لاحتمال حصول العجز عن الإلمام في جميع فروع الدين، ولم يعذروا بالأصول، والأمور المعلومة من الدين بالضرورة لانتفاء إمكانية وجود العاجز - بحسب علمهم وغلبة الظن لديهم - عن إدراك هذه الأصول المعلومة من الدين بالضرورة لمن قصد وأراد أن يدركها أو يعرفها، فالعلم متيسر، وطلبه سهل، والجهل به ناتج عن تقصير متعمد، وليس عن عجز لا يمكن دفعه!

وهذا يعني أنه إذا توفرت ظروف ودواعي العجز المانع عن إدراك مراد الشارع ولو كان ذلك في الأصول، فإنهم يعذرون بذلك، ولا بد لهم من العذر بذلك، لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}، ولقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}.

قال الشافعي رحمه الله: (فإن الله تعالى يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يُعذبه على ما لم يستطعه) اهـ.

قلت: لأن العجز يرفع التكليف باتفاق، سواء كان هذا التكليف من الأصول أم من الفروع، لا فرق.

قال ابن تيمية في كتابه القيم "رفع الملام" [ص114]: (إن العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وإلا فمتى أمكن الإنسان معرفة الحق، فقصر فيه، لم يكن معذوراً) اهـ.

وقال في "الفتاوى" [20/61]: (فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل) اهـ.

ما تقدم هو خلاصة مذاهب الفقهاء المعتبرين فيما سألتم عنه، الذين منهم شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولولا خشية الإطالة، وكثرة الأشغال لأتينا على ذكر أقوالهم قولاً قولاً، وربما بسطنا شيئاً من ذلك في أبحاثنا الأخرى ذا ت العلاقة بالموضوع.

والحمد لله رب العالمين

* * *

س11) لقد ادعى جهمية عصرنا في الجزائر؛ الإجماع والاتفاق المطلق على العذر بالجهل، وأنها مسألة قطعية لا تقبل الخلاف، وكعادتهم نسبوا هذا القطع إلى ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأهملوا ولم يراعوا ما كتبه أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أئمة الدعوة النجدية عن هذه القضية، فهل فعلاً هؤلاء العلماء يعذرون بالجهل أم لا؟!

وبخاصة أنهم لا يفصلون في إطلاق العذر، ولا في قيام الحجة، فهل يُشترط قيام الحجة على المشرك في عبادة الله، وما ضابطها وما صفتها، وما صفة من يقيمها؟

مع العلم أنهم يوردون قولاً لشيخ الإسلام ابن تيمية مفاده: أنه يعذر بالجهل مطلقاً نظراً لعدم فشو العلم، ولغلبة الجهل، وأن هذه القاعدة من أعظم ما بينه شيخ الإسلام، وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تبنى هذا القول، ولم يكفِّر الذي يطوف حول قبر البدوي، ولم يكفر ابن عربي الحلولي، في حين نجد علماء نجد يوجهون هذه النقولات بأنها قيلت مصلحة للدعوة، فما هو التوجيه الصحيح لهذا الكلام؟!


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

بالنسبة للعذر بالجهل أقول:

إن كان هذا الجهل عن عجز لا يمكن دفعه؛ كحديث عهد بالكفر، أو الذي يسكن في منطقة نائية لا العلم يصله، ولا هو يستطيع أن يصل العلم، أو لاندراس علوم الشريعة في البلدة التي يعيش فيها، ونحو ذلك فإن الجهل يعذر صاحبه، ويمنع عنه لحوق الوعيد، ولا يجوز أن يُكفَّر - لو وقع بالكفر بسبب ذلك - إلا بعد قيام الحجة الشرعية عليه؛ بإيصال المعلومة الشرعية الصحيحة التي تدفع عنه ما قد جهل به.

والعذر بالجهل بهذا المعنى المتقدم هو موطن اتفاق جميع أهل العلم بحسب ما أعلم، الذين منهم شيخ الإسلام، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، وأحفاده رحمهم الله أجمعين.

أما إن كان الجهل بفرائض الدين وشرائعه المعلومة من الدين بالضرورة - التي أعظمها التوحيد - ناتجاً عن تقصير يمكن دفعه، لكن صاحبه لا يفعل زهداً بالعلم وأهله، وانشغالاً بالدنيا وزينتها، وغير ذلك من الأسباب الساقطة، فإن الجهل لا يعذر صاحبه، ولا يمنع عنه لحوق الوعيد وحكم الكفر لو وقع في الكفر، وهذا لا أعلم فيه خلافاً بين أهل العلم.

فإن كثيراً من المشركين وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز، بأنهم لا يعلمون، ولا يفقهون، ولا يعقلون، وبأنهم جاهلون، ومع ذلك فهم مشركون بأعيانهم ومعذبون يوم القيامة؛ لأن جهلهم ناتج عن إعراض عن العلم وعن تعلمه، وليس عن عجز لا يمكن دفعه.

والذين أخطأوا في مسألة العذر بالجهل صنفان:

صنف قالوا بالعذر بالجهل على الإطلاق من دون تفصيل؛ مستدلين بأقوال بعض أهل العلم التي تفيد العذر بالجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه إلا بعد إقامة الحجة الشرعية عليه، فحملوا كلامهم على القادر والعاجز، وجعلوهما سواء!

وفريق آخر لا يرى العذر بالجهل مطلقاً؛ مستدلاً على قوله بالآيات التي تفيد أن المشركين لا يعلمون، ولا يفقهون، وأنهم جاهلون، ومع ذلك فهم معذبون، متجاهلاً بذلك الآيات والأحاديث الأخرى التي تستثني من يقع بالجهل عن عجز لا يمكن دفعه!

وكلاهما خطأ، والصواب الذي نعتقده، ونص عليه أهل العلم: هو التفصيل المتقدم الذكر.

أما القول: بأن كلام الشيخ عن العذر بالجهل هو من قبيل مراعاة مصلحة الدعوة، وليس لكون النصوص تدل على ذلك، هو كلام غير صحيح لا يصح عن الشيخ، ولا يليق به، وحبذا لو ذُكرت لنا المصادر التي ذَكر فيها أحفاده ذلك عن الشيخ!

أما السؤال عن صفة الحجة، وصفة قيامها على الجاهل المخالف؟

أقول: المراد من الحجة هنا هي المعلومة الشرعية - المستمدة من الكتاب والسنة الصحيحة - التي تنفي عن المخالف عنصر الجهل فيما قد خالف فيه، فلو وقع المرء في استحلال الربا مثلاً لا تقوم عليه الحجة لو بلغته النصوص التي تفيد حرمة الخمر، أو الزنى، فلا تقوم عليه الحجة إلا بعد بلوغه النصوص التي تفيد حرمة الربا، وهذا مثال ضربناه لكم لتوضيح الصورة، والقياس عليه.

أما صفة من يقوم بهذه الحجة؛ أي بنقل هذه المعلومة الشرعية للجاهل المخالف، تكمن في كل وسيلة تقدر على حمل هذه المعلومة الشرعية إليه؛ فقد يحملها ويقيمها عليه شخص عالم بهذه المعلومة الشرعية - ولا يُشترط فيه أن يكون عالماً بمجموع العلوم الشرعية كما يدعي البعض! - وقد يكون كتاباً، أو مجلة، أو مذياعاً، أو شريطاً مسجلاً يتضمن محاضرة أو درساً لأحد من أهل العلم تناول في درسه أو محاضرته ذكر المعلومة الشرعية التي تدفع عن المخالف الجهل فيما قد خالف فيه.

والله تعالى أعلم

* * *

س12) أوَّل جهمية بلادنا - الجزائر - قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما فرق بين قيام الحجة، وفهم الحجة، وقالوا أن الفهم فهمان: فهم الدعوة، وفهم الاستجابة، فهل هذا صحيح، وبارك الله فيكم؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

كلمة "فهم الدعوة" كلمة مطاطة وحمالة أوجه، ولكن إن كان المراد منها فهم دلالات الخطاب الشرعي اللغوية بلغة يفهمها المخاطب فهذا معنى صحيح، وإن كان غير ذلك فهو معنى باطل وغير صحيح لا يريده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا غيره من أهل العلم.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (فإن حجة الله هو القرآن الكريم فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لا تفرقون بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلاً}).

إلى أن قال: (فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يُعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه} [الرسائل الشخصية: ص220 و 244].

وقوله: (وخلا من شيء يُعذر به)، أي خلا من شيء يمنع من فهم الدلالات اللغوية للخطاب، كأن يكون أعجمياً لا يفهم اللغة العربية، أو أبكماً، فمثل هذا لا بد من أن تقوم عليه الحجة بلغة يفهمها ويفهم ا المراد من تلك النصوص التي تتلى عليه.

والله تعالى أعلم

* * *

س13) يقول الشيخ أبو بصير حفظه الله في رسالته "مسائل هامة في بيان حال جيوش الأمة": هذه الجيوش كافرة مرتدة لا شرعية لها، يجب جهادها وقتالها، لا يستلزم من ذلك أن يكون كل واحد في هذه الجيوش كافراً مرتداً، بل فيها الكافر المرتد وغير ذلك لاحتمال وجود الموانع الآنفة الذكر، الجهل، الإكراه، أن يكون عيناً للمسلمين.

ثم نأتي للنقطة مثار الخلاف والنقاش، فيقول: (من ثبت لنا انتفاء موانع التكفير - الثلاثة الآنفة الذكر - عنه فهو كافر مرتد بعينه)، فهو - حفظه الله - لا يكفر الجنود عيناً إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، هكذا نفهم؟

فنتوجه بالسؤال: نسأل الله عز وجل أن يشرح قلوبنا للحق، ما الفارق بين المرتد المقدور عليه والغير مقدور عليه، وعلاقته بوجوب أو عدم إقامة الحجة عليه؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

ما دام المرتد المقدور عليه أو الغير مقدور عليه قد سميت كلاً منهما بـ "المرتد " وحكمت عليه بالردة بعينه، لم يعد مبرراً لذكر مسألة قيام الحجة؛ إذ قيام الحجة تُطلب وتُشترط قبل أن تأخذ الأحكام الشرعية طريقها إلى المعين، وأما بعد أن نحكم على المعين بالردة بعينه فالحديث حينئذٍ عن قيام الحجة عليه من العبث أو الترف الجدلي لا طائل منه، لا ينبغي أن تُذكر أو أن تُقحم، وهو ما حُكم عليه بالردة ابتداء إلا لأن الحجة قد بلغته وقامت عليه، فشرط قيام الحجة موجود قبل الحكم عليه بالردة، فعلام يُقحم ثانية بعد وقوعه في الردة؟!

وإنما الذي يُمكن ذكره في هذا الموضع هو مسألة الاستتابة: هل يُستتاب المرتد المقدور عليه أم لا، وهل يوجد فرق بينه وبين المرتد المحارب الغير مقدور عليه أم لا، وهل يوجد فرق بينه وبين المرتد المحارب الغير مقدور عليه أم لا، والفرق بين الاستتابة وقيام الحجة فرق شاسع وبيِّن؛ فقيام الحجة تكون قبل أن نحكم على المعين بأنه كافر أو مرتد، وتكون - أي الاستتابة - فرصته الأخيرة قبل أن يأخذ القصاص الشرعي طريقه إليه.

بعد هذا الذي تقدم أقول: لو جاء السؤال بالصيغة التالية: ما الفرق بين من يقع بالردة المقدور عليه، وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه، من حيث وجوب قيام الحجة عليه، لكان السؤال مقبولاً ووجيهاً أكثر لعلمكم بالفارق بين المرتد وبين من يقع في الردة.

والله تعالى أعلم

* * *

س14) سعدنا بسرعة ردكم وقيامكم بالواجب الذي يليق بجنابكم للفصل في القضية محل النزاع، وقد سردنا من قبل تمهيداً مبسطاً لا يخفى عليكم يبين للقراء مدى أهمية وخطورة القضية المطروحة، ثم نتوجه لفضيلتكم بعد التعديل الذي تم بناءً على طلبكم وإيماناً بصوابه: ما الفرق بين من يقع بالردة المقدور عليه، وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه، من حيث وجوب قيام الحجة عليه؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

تجب قيام الحجة على من يقع في المخالفة الشرعية - ولو كانت كفراً - على وجه العجز الذي لا يمكن دفعه، فمن وقع في المخالفة عن عجز لا يمكن له دفعه تُقام عليه الحجة التي تدفع عنه العجز فيما قد خالف فيه قبل أن تُحمل عليه الأحكام بعينه، أما من يقع في المخالفة الشرعية عن جهل غير معجز يمكن له دفعه، لكنه لسبب أو آخر - لا يعمل - ولا يحرص على دفعه، فمثل هذا - لو وقع في المخالفة - لا يُعذر بالجهل، ولا تجب إقامة الحجة عليه، وأحكام الله تعالى تنزل عليه وتطاله بعينه.

ولمعرفة العاجز من غير العاجز في معرفة الحق، ينبغي النظر إلى عدة أمور منها: البيئة التي يعيش فيها، ومنها: المسألة التي جهل فيها، هل هي من الأمور الخفية المشكلة، أم من الأمور الجلية التي استفاض فيها العلم!

هذه قاعدة، تُبنى عليها جميع مسائل العذر بالجهل وقيام الحجة تقريباً!

والآن نأتي إلى المسألة المطروحة فأقول: لا فرق بين من يقع بالردة المقدور عليه وبين من يقع بالردة الغير مقدور عليه من حيث وجوب قيام الحجة، لأن مناط وجوب قيام الحجة وجود الجهل المعجز الذي لا يمكن دفعه، بغض النظر عن هذا المخالف هل هو ممن يُقدر عليه أم لا.

إلا أنه يمكننا القول أن هذا الغير مقدور عليه إذا كان ممن يمتنع بالقتال ومظاهرة المشركين - إضافة إلى وقوعه بالردة - فإنه حينئذٍ لا بد من قتاله على أنه كافر مرتد بعينه، والله تعالى يتولى سريرته إن كانت غير ذلك، ونحن معذورون لأنه لا سبيل لنا إلا على ظاهره الذي يلزمنا بكفره وتكفيره.

* * *

س15) جزاك الله خيراً شيخي الكريم، وإني لأطمع في مزيدٍ من الوقت ليزول الإشكال، ويُرفع ما عندي من اللبس، فبالله الذي لا إله إلا هو إن في حل هذا الإشكال الخير الكثير بإذن الله وما نبغي منه إلا اتباع الحق.

فنتوجه بالسؤال لفضيلتكم: ما تفسيركم لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس وذلك حين أجرى عليه أحكام الكفار في أخذ الفداء من الأسرى واعتباره كافراً عيناً في الحكم الظاهر، وما كان ذلك إلا لخروجه في غزوة بدر مع الكفار لقتال المسلمين، ولم يأخذ بدعوى الإكراه كمانع في حقه؟

ولهذا روي أن العباس قال: (يا رسول الله كنت مكرهاً)، قال: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) [مجموع الفتاوى: 19/224 - 225].

وما تفسير فضيلتكم على إجماع الصحابة على كفر أنصار أئمة الردة كأنصار مسيلمة، وطليحة الأسدي، وما ترتب عليه من غنم أموالهم وسبي نسائهم وشهودهم على قتلاهم بأنهم في النار، وهذا تكفير منهم لهم على التعيين، رغم أن فيهم المكره والجاهل المضلل؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

العباس لم يكن مكرهاً الإكراه الشرعي الذي يمنع من لحوق الوعيد به لأنه كان قبل أن يُكره على الخروج للقتال يقدر على الهجرة، وهو من الذين يستطيعون حيلة، ويهتدون سبيلاً، لكنه لم يفعل، فظل مقيماً بين أظهر المشركين بإرادته إلى أن أكره على الخروج معهم للقتال، لذلك لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره بالإكراه، فهناك فرق بين أن ينزل الإكراه بك من دون إرادتك، وبين أن ينزل بك الإكراه بإرادتك واستشراف منك فالأول يعذر، والآخر لا يعذر.

أما قولك أن الصحابة قد أجمعوا على تكفير أعيان أنصار مسيلمة الكذاب، وطليحة الأسدي، بما في ذلك المكره والجاهل، فهذا لا أعرفه، وحبذا لو ذكرتم لنا مصدر هذا الإجماع؟!

ثم كيف يكون إجماعاً وهو مخالف لقوله تعالى: {إلا من أكره}، فمن ثبت تكفيره من

قبل السلف بعينه فهذا لا يكون مكرهاً الإكراه المعتبر، ولا جاهلاً الجهل المعتبر؟!

والمعروف أن الصحابة استنطقوا المرتدين عند استتابتهم ووقف قتالهم بأن يقروا: "بأن قتلاهم في النار، وقتلى المسلمين في الجنة"، وهذا حكم عام، وصيغة عامة لا تفيد تعيين أفراد المعسكرين بأعيانهم سواء عسكر المسلمين، أم عسكر المرتدين.

والله تعالى أعلم

* * *

س16) عصمنا الله بالتقوى، ووفقنا لموافقة الهدى، {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، {وقل ربي زدني علماً}، وبعد: لقد سعدنا كثيراً بتفسيركم لقصة العباس وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه يوم بدر، وهو الموافق لتفسير الآية: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}، فجزاكم الله خيراً لتنبيهنا لتلك النقطة.

وإن كان لا يزال هناك إشكال في فهمنا لمقولة شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى [19/224 - 225]: (وقد يُقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولا يمكنه الهجرة، وهو مكره على القتال ويُبعث على نيته كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يغزو جيش هذا البيت فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم، فقيل يا رسول الله وفيهم المكره؟ قال: يُبعثون على نياتهم"، وهذا في ظاهر الأمر، وإن قتل وحكم عليه بما يُحكم على الكفار، فالله يبعثه على نيته كما أن المنافقين منا يحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام ويُبعثون على نياتهم والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر،.. ولهذا روي أن العباس قال يا رسول الله كنت مكرهاً قال: أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله...) اهـ.

فهذا إقرار من شيخ الإسلام رحمه الله - على حد علمي - بالكفر حكماً وليس على الحقيقة على كل من خرج إلى القتال مع الكفار، ولو كان مؤمناً مكرهاً في الحقيقة؟

ثم سؤالنا لفضيلتكم حفظكم الله وزادكم علماً، ما وجه استدلال شيخ الإسلام رحمه الله بحديث العباس على هذا الحكم، وحقيقة قوله " ولا يمكنه الهجرة " مع ما تقرر لدينا أنه كان يستطيع الهجرة؟

هذا بالنسبة لحديث العباس أما بالنسبة لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم - فهو على حد علمي - قد ثبت بالقول وبالفعل وبالإقرار، أما القول: فهو قول أبي بكر: (وتكون قتلاكم في النار)، ووافقه عمر وتتابع القوم على قول عمر كما في حديث طارق بن شهاب، وأما الفعل: فهو أن الصحابة قاتلوهم جميعاً على صفة واحدة؛ وهي صفة قتال أهل الردة ولم يُفرقوا بين تابع ومتبوع، وأما الإقرار: فهو أنه لا يُعرف مخالف أو منكر من الصحابة لهذا.

وكون قول أبي بكر رضي الله عنه: (وتكون قتلاكم في النار)، عندما ذكرناه كدليل على تكفيرهم عيناً فإنما كان ذلك باستدلالنا على قول الطحاوي: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا نُنزل أحداً منهم جنة ولا نارا)، إنما كانت الشهادة بالنار تجوز كما لا يخفى عليكم على كل من مات على الكفر كقوله عليه الصلاة والسلام: (حيثما مررت بقبر كافرٍ فبشره بالنار).

وأخيراً حتى لا نطيل عليكم نريد من فضيلتكم توضيحاً أكثر لمقولتكم: (فمن ثبت تكفيره من قبل السلف بعينه فهذا لا يكون مكرهاً الإكراه المعتبر، ولا جاهلاً الجهل المعتبر)، فأنى لهم أن يعلموا هذا وهم لم يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع لما كانوا ممتنعين بالشوكة، وقد كانوا ألوفاً، فقد ذكر ابن تيمية أن أتباع مسيلمة كانوا نحو مائة ألف أو أكثر؟!


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

أجيب على ما تقد م من أسئلة واعتراضات في النقاط التالية:

1) يُستفاد من كلام شيخ الإسلام أن عسكر الكفر يُقاتل بما فيهم المكرهين على القتال مع المؤمنين، لصعوبة تمييزهم عن الكافرين، ولوجودهم في صفوف القتال مع الكافرين، وأن المكرهين من المؤمنين يُبعثون على نياتهم يوم القيامة.

مع ضرورة التنبيه إلى أن هذا المؤمن المكره الذي يكثر سواد الكافرين لا يجوز له أن يُباشر مهمة قتال المسلمين، ولو كان مكرهاً، فالإكراه يبرر له الخروج، ولا يبرر له مباشرة القتال، ولو كان على وجه الدفاع عن النفس، وإن أدى عصيانه إلى قتله من قبل المشركين، فدمه ليس أعز من دم إخوانه المسلمين!

فإن باشر القتال مع المشركين ضد المسلمين فإنه يضعف في حقه عذر الإكراه كمانع من موانع لحوق الوعيد بالمعين، إن لم يزل كلياً!

2) ويُستفاد كذلك أن هؤلاء المكرهين من المؤمنين يأخذون حكم الكافرين في الدنيا على اعتبار ظاهرهم، وصعوبة معرفتهم أو تمييزهم، فيأخذون لأجل ذلك وصف وحكم العسكر الذي هم فيه، والله تعالى يتولى سرائرهم يوم القيامة، ولو أمكن معرفتهم أو تمييزهم بأعيانهم لم جاز الحكم عليهم بالكفر أو الخلود في النار، ولو كانوا صرعى بين قتلى المشركين، والله تعالى أعلم.

فإن قيل علام قد نفيت من قبل تكفير الصحابة لأعيان المكرهين على القتال في صفوف المرتدين؟!

أقول: الذي نفيناه، وننفيه جواز الحكم على المعين بالكفر أو الخلود في النار، مع العلم المسبق أن هذا المعين إنما حمله على الوقوع في الكفر الإكراه المعتبر شرعاً.

والذي أثبتناه ونثبته ما تقدم ذكره؛ وهو الحكم على المعين المكره بالكفر والخلود في النار لاعتبار ظاهره المكفر الذي وافته المنية عليه، ولجهلنا بأنه من المؤمنين المكرهين المعذورين، والله تعالى أعلم.

3) أما سؤالكم عن وجه استدلال شيخ الإسلام بحديث العباس على هذا الحكم، وحقيقة قوله: (ولا يمكنه الهجرة)، مع ما تقرر لدينا أنه كان يستطيع الهجرة؟!

أقول: إن شيخ الإسلام قد استدل بحديث العباس على أن الجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر، ولم يستدل به على مسألتنا المتقدمة أو "على هذا الحكم" - كما قلت! -

أعد قراءة كلامه من جديد، وإليك كلامه: (والجزاء يوم القيامة على ما في القلوب لا على مجرد الظواهر، ولهذا روي أن العباس قال، الخ).

فهو أولاً ابتدأ كلامه كفقرة جديدة عن الفقرة التي قبلها، ثم جاء استدلاله بما روي عن ابن عباس كجملة تفسيرية لما جاء قبلها من كلام، فانتبه إلى "الفاصلة التفسيرية المنقوطة" التي تفسر ما قبلها، والتي حذفتها ووضعت بدلاً عنها عدة نقاط التي توحي بوجود كلام لشيخ الإسلام لا دخل له في المسألة قد تجاوزته للاختصار، وهذا لا شك أنه يخل بالمعنى الذي يريده شيخ الإسلام!

4) ومما يمكن أن يُقال كذلك أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم للعباس: (ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله)؛ أي أن ظاهرك الذي كان علينا لا يدل على أنك كنت مكرهاً الإكراه الشرعي الذي يعذر، فالله تعالى يتولى سريرتك، وهو الأعلم بك هل كنت صادقاً في دعواك الإكراه أم لا، والذي يعيننا على هذا الفهم أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم كان رداً على كلام العباس الذي زعم فيه أنه كان مكرهاً!

ومما أضعف من اعتذار العباس بالإكراه كذلك أنه قد باشر القتال، وهذا ليس من شأن المكره كما أفدنا من قبل، كما في رواية السدي قال: (لما أسر العباس، وعقيل، ونوفل قال النبي صلى الله عليه وسلم: "افد نفسك وابن أخيك"، قال يا رسول الله: "ألم نصلِّ قبلتك، ونشهد شهادتك؟"، قال: "يا عباس إنكم خاصمتم فخُصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}).

5) إلزام الصحابة للمرتدين بأن يقولوا: (أن قتلاهم في النار)، ليس فيه دليل على موطن الخلاف؛ وهو تكفيرهم للمعين المكره من المؤمنين بأنه كافر ومن أهل النار، وعبارتهم المتقدمة صيغة من صيغ العموم كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.

6) لا وجه لاستدلالك بكلام الطحاوي على تكفير المعين، فكلام الطحاوي المنقول يفيد أنه لا يجوز أن نشهد لأحد بعينه - ممن لم يرد فيهم نص - من أهل القبلة بجنة ولا نار، فكلامه بواد ومسألتنا في وادٍ آخر، مع ضرورة التنبيه أنه يجوز لنا أن نشهد لأهل القبلة على وجه العموم بالجنة، كأن نقول: قتلى المسلمين شهداء وهم في الجنة، قتلانا في الجنة، وقتلى المشركين في النار، ونحوها من العبارات العامة، فهذا لا حرج فيه إن شاء الله.

7) قولك: "فأنى لهم - أي السلف - أن يعلموا هذا وهم لم يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع لما كانوا ممتنعين بالشوكة، وقد كانوا ألوفاً... الخ".

أقول: كلامك هذا ليس دقيقاً؛ فقد ثبت أن الصحابة كانوا يتثبتون، ويحققون، ويُحاجون من يجدونه في سلطان مسيلمة الكذاب ممن أشكل عليهم حقيقة موقفه، كما حصل مع خالد بن الوليد وهو في مسيره إلى أهل اليمامة لما ارتدوا، فأرسل مائتي فارس وقدمهم كطليعة لجيشه، وقال لهم من أصبتم من الناس فخذوه، فأخذوا "مُجاعة" في ثلاثة وعشرين رجلاً من قومه، فلما وصل إلى خالد، قال له: (يا خالد، لقد علمت أني قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته فبايعته على الإسلام، وأنا اليوم على ما كنت عليه أمس، فإن يكُ كذاباً قد خرج فينا فإن الله يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى})! قال خالد: (يا مجاعة تركت اليوم ما كنت عليه أمس، وكان رضاك بأمر هذا الكذاب وسكوتك عنه، وأنت أعز أهل اليمامة، وقد بلغك مسيري، إقرار له ورضاء بما جاء به! فهلا أبيت عذراً، وتكلمت فيمن تكلم؛ فقد تكلم ثمامة فرد وأنكر، وتلكم أليشكري، فإن قلت أخاف قومي، فهلا عمدت إلي أو بعثت إلي رسولاً؟!)، فقال مُجاعة: (إن رأيت يا ابن المغيرة أن تعفوا عن هذا كله؟!)، قال خالد: (قد عفوت عن دمك، ولكن في نفسي حرج من تركك)! [مجموعة التوحيد: 199].

أقول: القصة فيها فوائد عدة وعظيمة يخصنا، منها: إثبات ما كنت قد نفيته بأن الصحابة لم يكونوا يتبينوا في حقهم توفر الشروط وانتفاء الموانع، والله تعالى أعلم.

8) وفي الختام أود أن أخبرك يا صقر أني أحبك في الله، راجياً الله تعالى أن يكثر في الأمة الصقور، وأن يقتل خفافيش الدجى والنفاق والإرجاف.

* * *


س17) أحبك الله الذي أحببتني فيه، من كان شيخه كتابه كثر خطأه وقل صوابه، ومن تواصل مع العلماء فقه وأصاب وقلت عثراته، أدام الله علمكم ورعاكم.

شيخي الحبيب؛ نقطة هامة لالتقاء الكلمة ووضوح المعنى الذي تبين لنا أنكم معشر العلماء - علماء الجهاد - قد تختلف عباراتكم قليلاً ولكن الرؤية والمعنى يكاد يكون واحداً باستثناء تفاوت التكفير بينكم صعوداً وهبوطاً، ولما لا وقد شهدنا لكم بالإخلاص ولا نزكي على الله منكم أحداً وشهدتم على أنفسكم بالاتباع ورضيتم بطريقة السلف منهجاً.

فقولكم: (ويُستفاد كذلك أن هؤلاء المكرهين من المؤمنين يأخذون حكم الكافرين في الدنيا على اعتبار ظاهرهم، وصعوبة معرفتهم أو تمييزهم، فيأخذون لأجل ذلك وصف وحكم العسكر الذي هم فيه، والله تعالى يتولى سرائرهم يوم القيامة، ولو أمكن معرفتهم أو تمييزهم لما جاز الحكم عليهم بالكفر أو الخلود في النار، ولو كانوا صرعى بين قتلى المشركين، والله تعالى أعلم).

هذا ما كنا نريد منكم بفضل الله توضيحه، ففقه الجهاد كما لا يخفى عليكم ليس كباقي أبواب الفقه لما في الغلط من قبل الأخوة في تفسير ألفاظه من استحلال الأموال والدماء وإحباط المسيرة الجهادية ما بين الإفراط والتفريط!

فجزاكم الله عنا خيراً كثيراً، ونرجو من فضيلتكم نشر تلك المسألة في رسالة صغيرة على موقعكم بعد الترتيب والتنقيح لعموم الفائدة.

وسؤالي الأخير لفضيلتكم: ما رأيكم في تلك العبارة "أن الممتنع إن قام في حقه مانع لم نطلع عليه، أو لم يظهر لنا، فنحن معذورون في معاملته معاملة الكفار من قتل وغنم مال ونحوه، ونحن غير مطالبين باستيفاء الشروط وتبين الموانع مادام تلبّس بنصرة الشرك وامتنع عن القدرة"، فأرجو تنقيحها وتهذيبها، وشكراً؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

الممتنع الذي يظاهر المشركين على المسلمين، يُقاتل على أنه منهم، ويُعامل معاملتهم، ولا يُشترط هنا تتبع الموانع؛ لأنه متعسر وغير ممكن، واشتراطه يستلزم منه تعطيل الجهاد، وتعريض حرمات البلاد والعباد إلى الانتهاك من قبل الأعداء، وقد مضت السنة أن جيش الكفار يُقاتل ومن دون التحري عن العناصر المعذورين، فإن وجدوا وقُتلوا بُعثوا على نياتهم، وجزاهم الله على سرائرهم.

مع التنبيه إلى أن هذه المسألة حساسة ودقيقة، ينبغي التعامل معها بفقه وتقوى، وبخاصة أننا نعيش في زمان الأمة كلها ممتنعة عن الطاعة لسلطان الإسلام، إلا من رحم الله، لأن الإسلام ليس له السلطان الذي يذود عنه ويُقاتل دونه، والذي يفرض على العباد الدخول في السلم والطاعة كافة!

لذا نجد أنفسنا ملزمين - ومن قبيل السياسة الشرعية - أن نطالب المجاهدين في أصقاع الأرض بأن يُحسنوا ترتيب أولوياتهم، والابتداء بالأشد كفراً وشراً وعداءً، وأن لا يُعملوا السيف في الأمة، بحجة أنهم ممتنعون عن الطاعة أو الحجة، وأن لا يبدأوا بالذراري والنساء والشيوخ! - وهو ما لا نراه جائزاً - ومن لا زبر له يزبره، ويتركوا طواغيت وصناديد الكفر والطغيان تعربد في البلاد وتفتن العباد، كيفما تشاء.

والله تعالى أعلم

* * *

س18) جزاكم الله خيراً شيخنا الفاضل، وبارك فيكم وفي علمكم، لقد أشكل علي شيء في مقالكم أرجو منكم أن تبينوه وهو قولكم عن حاطب رضي الله عنه: (أنه كان متأولاً في فعله، لم يكن يعلم - أو يظن - أن هذا الذي فعله يمكن أن يرقى إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام، أو أنه يضر في إيمانه، ولم يكن يقصد به الغش والغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم).

فما درجة قبول العذر بالتأويل، وهل يُشترط أن يعلم أن هذا الفعل يرقى به إلى الكفر، أليس يكفي أن يعلم أنه محرم، وهل يُشترط عدم قصد الغش، أليس الفعل نفسه يعتبر غشاً، وهل يُعتبر الجهل بكون الفعل كفراً مع العلم بأنه محرم نوعاً من التأويل المقبول، نرجو أن تبينوا لنا وجزاكم الله خيراً؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

أفيد على ما تقدم من إشكال وأسئلة بما يلي:

1) بالنسبة لقصة حاطب، لا بد من النظر إلى مجموع الأسباب والعوامل التي أقالت عثرته، وحالت من لحوق وعيد الكفر به والتي أجملنا ذكرها في النقاط الخمس من مقالنا "حكم الجاسوس".

فإن اقتصر النظر على سببٍ منها دون غيرها، صعب علينا فهم قصة حاطب والأسباب الحقيقية التي أدت إلى إقالة عثرته وحالت دون لحوق الكفر به.

2) عند الحديث عن صحابي بدري جليل كحاطب، وعما كبا وزل فيه، لا بد من أن نُعمل معه أحسن الظن والتأويل، بما يليق بجنابه وفضله وجهاده، وحسناته، وهذا بخلاف لو أردنا أن نتناول شخصاً معيناً مجروحاً في عدالته، مشبوهاً في علاقاته وارتباطاته، فإنه لا يحتاج ولا يستحق منا إلى كل هذا التأويل والظن الحسن!

3) التأويل أحياناً يكون مانعاً من موانع لحوق الكفر والوعيد بالمعين، وذلك بحسب نوعية وقوة التأويل واستساغته شرعاً، وعقلاً، ولغة.

وعند الحكم على معين بأنه معذور بالتأويل لا بد من النظر إلى أمور منها: المسألة التي تأولها، هل تحتمل التأويل أم لا، والطريقة التي تأول بها هل هي مستساغة شرعاً ولغة وعقلاً، والشخص المؤَّل ذاته، والملابسات المحيطة به التي حملته على هذا النوع من التأويل، والنظر إلى سيرته ومواقفه العامة من دين الله تعالى، هل هو ممن يعهد عليهم تأويلات وتفسيرات أهل الزندقة أم لا، فهذا كله يؤثر على تحديد التأويل المعذر من سواه، ويُحدد الدرجة التي يُتأول له بها، حيث هناك تأويل يمنع عن المعين لحوق التكفير لكن لا يمنع عنه التضليل والتأثيم والتعزير، وهناك تأويل يُسقط عنه حد الردة ولا يُسقط عنه ما دونه من الحدود، وهناك تأويل يسقطهما معاً في الدنيا والآخرة، وهذا فقه كبير، تفصيله يطول لا يسمح به المقام هنا، لا بد لمن يستشرف الحكم على الآخرين بالتأويل أو عدمه أن يكون ملماً إلماماً جيداً بهذا الفقه، والله تعالى أعلم.

4) حديثنا عن سلامة القصد، وتشفعه لحاطب، ذكرنا أن ذلك كان خاصية من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يُقيل عثرات بعض أصحابه لعلمه بسلامة سريرتهم وقصدهم وباطنهم عن طريق الوحي، وهذه ليست لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بمعنى لو فعل شخص في زماننا ما فعله حاطب، لا يمكن أن نحكم على باطنه وقصده، وإنما نحكم عليه من خلال ما يظهر لنا من كفر أو إيمان، وهذا الذي أردناه عندما ذكرنا أثر عمر رضي الله عنه.

5) إذا أردت يا أخي أن تأخذ من مقالي فقط الفقرة التي أشكلت عليك الآنفة الذكر، من دون أن تجمع بينها وبين غيرها من النقاط والكلام، أو من دون أن تنظر إلى مجموع المقال وتحسن التوفيق بين أجزائه، ومقدماته ونتائجه، تظلمني، وتظلم المقال، وتظلم حاطباً، وتظلم المسألة كمسألة شرعية علمية، هذا ما يحضرني الآن، وما يسمح به الوقت من الإجابة على ما أشكل عليكم، وما تقدم من استفسارات، أدعو الله لي ولكم بأن يفقهنا بالدين، وأن يجعلنا من العاملين بما نعلم.

والحمد لله رب العالمين

* * *

س19) إننا نعيش هنا في مصر وهي بلدة مرتدة مثل جميع البلاد المسماة إسلامية في هذا الزمان؛ لتركهم دين الإسلام ودخولهم في دين الطاغوت وشرعه وحكمه، فأهل هذه البلاد مع كونهم يقولون لا إله إلا الله، إلا أنهم ارتكبوا جميع نواقض هذه الشهادة مثل الحكم والتحاكم إلى القانون الوضعي، وعبادة القبور والأضرحة وموالاة الكفار أعداء الدين، ومحاربة أولياء الله المسلمين الموحدين!

والسؤال: هو أنني لا أحكم لمجهول الحال في هذه البلاد التي أعيش فيها بالإسلام الحكمي، ولا أصلي إلا خلف من أعرف عقيدته ولا آكل إلا من ذبيحة الموحدين الذين أعرفهم، فهل هذه بدعة، وهل قول الرجل لا إله إلا الله يكفي للحكم له بالإسلام، وهل الصلاة تعتبر دلالة على الإسلام في هذا الزمان، مع العلم بأن الفتوى تُبنى على أصلين وهما: معرفة حال القوم، ومعرفة الحكم الشرعي؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

ارتداد الأنظمة الحاكمة لا يستلزم ارتداد المسلمين الذين يعيشون في تلك الأمصار التي تحكمها تلك الأنظمة المرتدة!

وأمصارنا لا تختلف كثيراً عن بلدة ماردين التي سئل عنها شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث كان فيها الكفار ويمثلون الطبقة الحاكمة المتنفذة، والمسلمون ويمثلون عامة الناس والسكان.

فأجاب شيخ الإسلام [28/240]: (دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها، وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة: فيها المعنيان؛ ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين، ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار بل هي قسم ثالث يُعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويُقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه) اهـ.

قلت: وهذا الحكم يُحمل على أكثر أمصار المسلمين في هذا العصر لتطابق أوصافها مع أوصاف بلدة ماردين التي سُئل عنها شيخ الإسلام.

أما قولك عن أهل مصر وغيرها من أمصار المسلمين - على التعميم ومن دون استثناء - بأنهم كفروا وارتدوا ووقعوا في جميع نواقض الإيمان، فهو وصف غير دقيق ولا صحيح، ولا ينم عن دراية بأحوال الناس ومجتمعاتهم، وله نتائج سيئة على دينك وآخرتك!

فالفتوى الشرعية - كما ذكرت! - يُشترط لها الدراية بواقع المسألة، وبالأدلة الشرعية المطابقة لهذا الواقع، وهذا ما لم تلتزم به في حكمك المتسرع - على العباد - الآنف الذكر!

وعليه فأقول: من أظهر شهادة التوحيد، أو الصلاة ونحو ذلك من القرائن التي تدل على إسلامه، وجب الإقرار له بالإسلام، والتعامل معه معاملة المسلمين، من صلاة خلفه، أو أكل لذبيحته وغير ذلك، ولا يجوز أن يُعامل بخلاف ذلك، أو يُحكم له بالكفر والخروج من الإسلام إلا إذا أظهر الكفر البواح - من غير مانع شرعي معتبر - لنا فيه من الكتاب أو السنة برهان قاطع.

فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله) [البخاري].

ولم يُلزم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأن يتحروا عن اعتقاده، وحقيقة إسلامه وإيمانه، كما ألزمت أنت نفسك!

وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع ذات يومٍ رجلاً - وهو في غزوة من غزواته - يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (على الفطرة)، فقال: لا إله إلا الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (خرجت من النار).

هذا حكم النبي صلى الله عليه وسلم، فاحذر أن تخالف حكمه وأمره، فتهلك وتضل.

أما الصلاة خلف مستور الحال؛ فقد نقل شيخ الإسلام اتفاق الأئمة على ذلك.

فقال [4/542]: (وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة ولا جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ وأئمة المسلمين الأربعة وغيرهم) اهـ.

ثم اعلم أن هذا الاعتقاد الذي أنت عليه - إضافة إلى كونه مخالفاً للكتاب والسنة، وفهم الصحابة وما كان عليه الأئمة الأربعة وغيرهم - فإن مبدأه من الشيطان ونفخه، وإن منتهاه إلى شؤم وغلو شديد في الدين، وربما ينتهي بك المطاف إلى أن لا تعتقد بوجود مسلم على وجه الأرض غيرك، وربما يصل بك الحال أن تكفر نفسك في اليوم عدة مرات، كما حصل ذلك لأناس غيرك بدؤوا نفس بدايتك هذه، وإني أعيذك من ذلك!

* * *

س20) كيف نوفق بين القول بأن الإنسان يكفر إذا أقيمت عليه الحجة ولم يوجد بحقه أي مانع من موانع التكفير، وبين موقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما أقام الحجة على الجهمية ومع ذلك لم يكفرهم بأعيانهم، كذلك موقف الإمام أحمد رحمه الله مع المعتزلة، رغم أنهم أقيمت عليهم الحجة، بل هم علماء باللغة والدين؟!

والقول بعذرهم، يحمل كثيراً من الناس على القول بعذر طواغيت الحكم بالإكراه والجهل، فإن قلت: جهلهم مردود، نقول: وجهل المأمون من باب أولى أن يكون مردوداً لأنه عن علم، وجزاكم الله خيراً؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

قد ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كفر بعض أعيان الجهمية الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، وأمسك عن تكفير البعض الآخر.

والذي حمل الإمام على تكفير البعض بأعيانهم، وإمساكه عن تكفير البعض الآخر رغم اشتراكهما بنفس الذنب والجرم أن الذي كفره بعينه يكون قد ظهر له ما يستوجب تكفيره بعينه من حيث انعدام الأعذار بحقه المانعة من تكفيره.

أما من أمسك عن تكفيره بعينه فهو لظهور الموانع التي تمنع من تكفيره بعينه رغم اقترافه للكفر!

فإن قلت: قد عرفنا بالدليل إمساك الإمام أحمد عن تكفير بعض أعيان الجهمية الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، فأين الدليل الذي يفيد أن الإمام قد كفر بعضهم بأعيانهم؟

أقول: روى صالح بن أحمد عن أبيه لما حُوّل إلى دار إسحق بن إبراهيم: (فكان يوجه إلي كل يوم رجلين، أحدهما يُقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجام، فلا يزالان يناظراني، حتى إذا أرادا الانصراف دُعي بقيد فزيد في قيودي. قال: فصار في رجله أربعة أقياد. قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل عليّ أحد الرجلين فناظرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم ُ الله مخلوق، فقلت له: كَفَرْتَ، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فقلت له - أي الإمام أحمد -: إن هذا قد كَفَرَ) [مسند الإمام أحمد، بتحقيق أحمد شاكر: 1/91].

فتأمل كيف أن الإمام أحمد قد كفره بعينه، لما قال مقولته الباطلة تلك!

أما قياسك لطواغيت الحكم المعاصرين على من عذرهم الإمام أحمد ممن قالوا بأن القرآن مخلوق، فهو قياس باطل لا يصح من وجوه:

منها: أن كفر الذين عذرهم الإمام أحمد كان كفرهم من جهة تأويلهم للصفات وقولهم بأن القرآن مخلوق، بينما كفر طواغيت الحكم المعاصرين يأتي من جهة ارتكابهم لجميع نواقض الإسلام الظاهرة منها والباطنة!

ومنها: أن جهمية الصفات وقعوا فيما وقعوا فيه عن تأويل لا يمنع من تأثيمهم وتضليلهم، ولكن يمنع بعضهم من تكفيرهم بأعيانهم! بينما الحكام لا يمكن أن يُقال فيما وقعوا فيه من كفر أنهم وقعوا في ذلك عن تأويل، لا يمكن أن يُقال أنهم بدلوا الشريعة وأحلوا محلها شرائع الكفر والطغيان عن تأويل، فضلاً أن يُقال عن تأويل يمنع من تكفيرهم!

لا يمكن أن يُقال أنهم جعلوا من أنفسهم أرباباً من دون الله، يشرعون التشريع الذي يضاهي ويضاد شرع الله، عن تأويل!

لا يمكن أن يُقال أنهم دخلوا في موالاة ونصرة المشركين من اليهود والنصارى وغيرهم على ملة أهل التوحيد، عن تأويل!

لا يمكن أن يُقال أنهم يحاربون دين الله تعالى بكل ما أتوا من قوة ووسائل، عن تأويل!

ومنها: أن الذين تأولوا الصفات وقالوا أن القرآن مخلوق كالمأمون ونحوه، أرادوا التنزيه والتعظيم، ولم يريدوا التكذيب والجحود، أو رد ما صح عندهم أنه من دين الله تعالى، وهذا كان سبباً رئيسياً في إمساك الإمام أحمد وغيره من أهل العلم عن تكفيرهم بأعيانهم. بينما طواغيت الحكم لا يمكن أن يُقال بحقهم وبما يظهرونه من كفر بواح، ومن أبواب شتى، أنهم أرادوا من ذلك التنزيه والتعظيم!

لأجل هذه الأوجه - وغيرها من الأوجه مما لا يتسع المجال لذكرها هنا - نقول: أن قياس طواغيت الحكم المعاصرين، على جهمية الصفات، هو قياس فاسد وباطل.

* * *

س21) أنت تعرف يا شيخ أن القبور والمزارات منتشرة في كثير من أنحاء البلاد فمررت بأحدها فرأيت الناس يُشركون بالله بأنواع شتى من أنواع الشرك كدعاء الميت، والتمسح بقبره والطواف به وغير ذلك من أنواع الشرك.

فهل يجوز تكفيرهم أم لا، قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} ليس فيها دليل على عدم التكفير؛ لأن الله عز وجل قال: {وما كنا معذبين}، ولم يقل وما كنا مكفرين، فالمرجو منك يا شيخ أن تبين لنا الدليل على عدم جواز التكفير قبل قيام الحجة من كتاب الله، وسنة رسوله وأقوال العلماء الربانيين.

ثم هل يصح لنا أن نقول كقاعدة كل ما ارتكب فعلاً أو قال قولاً حكم العلماء على هذا الفعل أو القول بأنه من الكفر أننا نكفر الفاعل أو القائل بعينه، أما بالنسبة للعذاب فإنه يكون بينه وبين ربه بحسب قيام الحجة عليه، وجزاكم الله خيرا؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

هؤلاء الذين يطوفون بالقبور ويدعونها هم واحد من اثنين: إما أنه كافر أصلي، وإما أنه مسلم.

فإن كان كافراً ولم يسبق له أن دخل الإسلام؛ فإن بلغته نذارة الرسل، فهو كافر بعينه معذب يوم القيامة إن مات على كفره، وإن لم تبلغه نذارة الرسل؛ فهو كافر بعينه، لكن لا يُجزم بعذابه يوم القيامة، فأمره إلى الله تعالى حيث يجري له اختباراً في عرصات يوم القيامة، وعلى ضوئه فهو إما إلى الجنة وإما إلى النار.

أما إن كان مسلماً سبق له أن دخل الإسلام ثم قارف شيئاً من هذه الأعمال الشركية الآنفة الذكر في السؤال؛ فإن كان قد بلغه القرآن الكريم، وكان طلب العلم متيسراً له لو حرص عليه، فهو كافر بعينه معذب يوم القيامة إن أدركته المنية وهو لا يزال على كفره، ولا يُعذر بالجهل.

أما إن كان حديث عهد بالإسلام، ولم يبلغه من العلم ما يدفع عنه هذا الجهل، ولم يستطع أن يقف على العلم - رغم حرصه عليه - الذي يدفع عنه الجهل بما قد خالف فيه، الصواب في هذه الحالة أن يُقال بكفر قوله وفعله، دون الحكم عليه بعينه أنه كافر، أو يُجزم بعذابه يوم القيامة.

وهؤلاء الذين رأيتهم يطوفون حول القبور، أنت أدرى بهم وبوصفهم، وبالتالي من أي صنف هم، وأي حكم يُحمل عليهم.

والجواب على سؤالك الثاني أقول:

قاعدتك التي ذكرتها لا تصح، والصواب أن يُقال: من أظهر لنا الكفر البواح - من غير مانع شرعي معتبر - أظهرنا له التكفير، وحكمنا عليه بالعذاب يوم القيامة لو مات على كفره وشركه.

ثم أن الحكم على المعين بأنه كافر - وبخاصة إن سبق له أن كان مسلماً - يترتب عليه آثار وأحكام في الدنيا والآخرة، فالقضية ليست مقصورة على وعيد أو عذاب الآخرة، وبالتالي فبأي حق تُلحق به الآثار المترتبة عليه في الدنيا، مع اعتقادك أنه جاهل معذور بالجهل، فقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} كثير من أهل العلم يحملها على الوعيدين والعذابين: وعيد وعذاب الدنيا، ووعيد وعذاب الآخرة، أي أن العذاب والوعيد لا يطالهم في الدنيا والآخرة إلا بعد أن تبلغهم نذارة الرسل.

فإن قلت: علام حكمت إذاً على الكافر الأصلي المعذور بالجهل، الذي لم تبلغه نذارة الرسل، بالكفر بعينه، وهذا وعيد في الدنيا؟

أقول: حكمنا عليه بالكفر بعينه لأنه لم يدخل الإسلام، والإنسان إما أن يكون كافراً وإما أن يكون مسلماً، والمرء لا يكون مسلماً إلا بالشهادتين أو بقرينة شرعية ظاهرة تنوب عنهما، وهذا لم يأت بشيء من ذلك.

ثم حُكمنا عليه بعينه بالكفر لا يترتب عليه من جهتنا موقف عملي، كجهاده، واستحلال حرماته ونحو ذلك، إلا بعد أن نبلغه الدعوة والنذارة فيقابلها بالصد والإعراض.

والله تعالى أعلم

* * *

س22) هل العقل حجة من جملة الحجج الشرعية كالميثاق والفطرة، والآيات، وإذا قلنا أن العذاب معلق بحجة نذارة الرسل فما قيمة هذه الحجج الشرعية الآنفة الذكر؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

الراجح لدي أن العقل وسيلة لفهم وإدراك الحجج الشرعية وليس حجة بذاته، وهذا لا يعني أن العقل كنعمة لا يُسأل عنها الإنسان ولا يُحاسب.

وكون العذاب معلق بحجة نذارة الرسل، لا يعني ولا يستلزم أن الحجج الأخرى لا قيمة لها، بل قيمتها واضحة وبينة كسبب في هداية العباد إلى عبادة رب العباد، {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}.

ولا يعني كذلك أن الحجة لا تقوم بها، بل تقوم بها، وهي حجة على العباد، ولكن الله تعالى قضت حكمته ورحمته بعباده أن لا يعذب أحداً منهم إلا بعد قيام الحجة عليهم من جهة نذارة الرسل.

* * *

س23) لعلك - يا شيخنا - اطلعت على شرائط "فتنة التكفير" للألباني، وقد أكثر الشيخ رحمه الله من الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: (قال رجل لم يعمل خيراً قط فإذا مات فحرقوه، وذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، الحديث)، فما تعليقكم عليه، وهل هذا الحديث يدل على عدم كفر تارك الصلاة؟

وبالنسبة للحاكم المبدل لشريعة الله، هل يكفر بموقعة واحدة، أم أنه لا بد أن يكرر التبديل أو الحكم بغير ما أنزل الله، وهل هناك حد إذا تجاوزه الحاكم كفر، وجزاكم الله خيراً؟


الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

ليس في الحديث المذكور دليل على عدم كفر تارك الصلاة، وإنما فيه دليل على أن المرء الذي يقع في المخالفة - وإن كانت كفراً - عن جهل معجز لا يمكن دفعه، أنه يُعذر بذلك.

فهذا الرجل وقع فيما وقع فيه - كما يقول أهل العلم - من المخالفة عن جهل منه لخصائص الله عز وجل وصفاته، وما يستحقه من الصفات، ولخوفه من ربه سبحانه وتعالى، لذلك أقال الله عثرته، وغفر له.

بينما الشيخ ناصر فقد جعل المانع من تكفير هذا الشخص بعينه ودخوله النار رغم أنه قال الكفر، هو أنه لم يكن يعتقد الكفر في قلبه الذي نطق به، فعدم اعتقاد الكفر واستحلاله القلبي له هو المانع من تكفيره عند الشيخ، وهذا خطأ فادح مرده إلى أصول الشيخ الفاسدة في مسائل الإيمان والوعد والوعيد، وقد أشرنا إليها في مواضع عدة.

فإن قلت كيف نفسر قوله صلى الله عليه وسلم: (لم يعمل خيراً قط)؟

أقول: المراد أنه لم يعمل خيراً قط زائداً عن أصل التوحيد، والصلاة من التوحيد وشرط له، تاركها كافر مشرك، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، هذا ما يقتضيه مبدأ التوفيق والعمل بمجموع النصوص ذات العلاقة بالمسألة.

أما ما يتعلق بالشطر الثاني من السؤال الخاص بالحاكم المبدل:

فأقول: كل حاكم مبدل هو حاكم بغير ما أنزل الله، وليس كل حاكم بغير ما أنزل الله يستلزم منه أن يكون مبدلاً لحكم وشرع الله تعالى.

وعليه فأقول: من وقع في التبديل لشرع الله تعالى ولو في مسألة واحدة فإنه يكفر، بينما الذي يحكم بغير ما أنزل الله على غير وجه التبديل، قبل الحكم عليه بالكفر أو عدمه لا بد من النظر إلى الدافع الذي حمله على الحكم بغير ما أنزل الله، وطريقة حكمه بغير ما أنزل الله، والمسألة التي لم يحكم فيها بما أنزل الله، هل هي من التوحيد وشروطه أم لا، وهل الأصل فيه عدم الحكم بغير ما أنزل الله، أم أن الحكم بغير ما أنزل الله حالة شاذة بخلاف الأصل الذي هو عليه، فهذا كله معتبر عند إصدار الحكم على حاكم بعينه بالكفر أو عدمه، وهذه مسألة قد فصلنا فيه في كتابنا " أعمال تخرج صاحبها من الملة " يمكنك الوقوف عليه لو أردت التفصيل.

* * *

س24) سبق أن ذكرت أن الذين يدخلون الكنيست أو البرلمان الإسرائيلي من المسلمين بأنهم كفار ومرتدون، والسؤال: هل هؤلاء يُعذرون بالجهل، ولا يُكفرون بأعيانهم إلا بعد قيام الحجة عليهم؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين.

ساحة العذر بالجهل فيما يخص هذه المسألة تضيق جداً، ولكن بحكم الفتاوى العديدة لبعض أهل العلم التي تجيز مثل هذا العمل من قبيل تقليل الضرر، زعموا!، فإنه من المحتمل وجود من يُعذر بالجهل ممن يقلدون هؤلاء العلماء، وهذا إن وجد، ودلت عليه القرائن التي تدل على وقوعه بالجهل المعجز - من قبيل السلامة - أرى أن تُقام عليه الحجة الشرعية قبل تكفيره بعينه.

والله تعالى أعلم

* * *

تم بفضل الله تعالى ومنته الانتهاء من تدقيق الكتاب ومراجعته، وإضافة ما لزم إضافته، مساء يوم الثلاثاء في الخامس من رمضان المبارك، لسنة 1422هجري، الموافق 20/11/2001 م.

وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
للعودة الى الفهرس

tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net
* إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * في حال عدم ظهور اسم كاتب موضوع " ما " بجوار عنوان موضوعه .. فإن ذلك إما لكون اسم المؤلف غير معروف لدينا .. أو أنه مذيل في نهاية الموضوع !