شفاء النفوس من شبهات الفركوس
 الجديــد | محــرك البحــث | برنامج المنبر| خارطة الموقع | اتصل بنا | تجاوز الحجب | المنتــدى | English
مكتبة الشيخ المقدسي
منهاج السنة
عـقــيــدة أهـــل الـجـنـة
الــفــريــضــة الــغــائـبـة
كــــتــــب وأبـــــحــــاث
مـــــــــــــقــــــــــــــالات
قــــضـــايـــا فــقــهــيــة
التـــاريــخ و الســــــيـــر
حــــــــــــــــــــــــــوارات
أشـــبــــال الــتــوحــيــد
مـــــــــطــــــــويــــــــات
فــــــرق ومـــــذاهــــــب
مجــــــــــــــــــــــــــــلات
المجـموعـــات الإعــلامية
بــيــانـــــــات المــــنــبــر
عــــين على الأحــــــداث
كـلمـات سطرت بالدمــاء
صوت التوحيد
مـــــــرئــــــيـــــــــــــات
خـطـب ومــحـــاضـــــرات
حـــــــداء الـــمــجــاهـــد
عيون الكلم
مــخـتــارات شــرعـــيـــة
الــجـهــاد والــشــهـــادة
الأخــــلاق والـــرقــائـــق
الـــواقــع الــمــعــاصـــر
مــوضــوعـات مــتـنـوعـة
 منبر التوحيد و الجهاد منهاج السنة الفريضة الغائبة شبهات وردود شفاء النفوس من شبهات الفركوس

شفاء النفوس من شبهات الفركوس
Share


الكاتب : أبو المنذر الشنقيطي
تاريخ الإضافة: 2010-12-04
صندوق الأدوات
حفظ المادة
طباعة
إلى المفضلة
تنبيه عن خطأ
إلى صديق
محرك البحث
بحث في الصفحة
بحث متقدم » 

شارك معنا
شارك معنا في نشر إصدارات المجاهدين. . . رسالة إلى كل من يملك كتاباً أو مجلة أو شريطاً . . . تتمة

بسم الله الرحمن الرحيم

فهذه رسالة وصلت لمنتدى الأسئلة في منبر التوحيد والجهاد، تتعلق بعدد من الشبهات التي تثار حول الجهاد اليوم أثارها المدعو محمد علي فركوس وتلقفتها صحيفة النهار الجزائرية بالنشر عبر صفحاتها، وقد يسر الله للشيخ الفاضل أبي المنذر الشنقيطي حفظه الله أن يفند هذه الشبهات ويرد عليها .
منبر التوحيد والجهاد


نص الرسالة:

إلى الإخوة القائمين على هذا المنتدى أوجه تحيتي إليكم ...

فلقد خرج علينا المدعو أبو عبد المعز محمد علي فركوس بفتوى حول شرعية الجهاد في المغرب الإسلامي وقال ما قال فيها حول جهادنا المبارك وقد تلقتها وسائل الاعلام وقامت بنشرها منها جريدة النهار الجزائرية لبث الشك في نفوس الشباب المتحمس لهذا الجهاد.

فنرجو منكم إخواننا ان تقوموا بالرد على هذا المبطل وهذا هو نص فتواه:

التلازم الحقيقي بين الطائفة المنصورة وعملها الجهادي


السؤال: (الموجه لمحمد علي فركوس)

يحتجّ بعضُ المسلمين ببعضِ الأحاديثِ على شرعيّةِ الفِرَقِ الجهاديّةِ الموجودةِ اليومَ، منها:

حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لاَ إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ»(١- أخرجه مسلم في «الإيمان» (1/81) رقم (156)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.).

وحديثُ جابرِ بنِ سَمُرَةَ رضي الله عنهما: «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»(٢- أخرجه مسلم في «الإمارة» (2/925) رقم (1922)، وأحمد في «مسنده» (5/103، 106، 108)، من حديث جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب رضي الله عنهما.).

نريد منكم شرحًا لهذه الأحاديثِ، وإذا كانت لا تنطبق على الفِرَقِ الجهاديّةِ المعاصرةِ فعلى من تنطبق؟

جواب: (محمد علي فركوس)

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدّين، أما بعد:

فالطّائفةُ النّاجيةُ والمنصورةُ المذكورةُ في الحديثِ إنّما هي طائفةٌ متمسّكةٌ بالإسلامِ المصفّى المحضِ -علمًا وعملاً، ظاهرًا وباطنًا- تقوم بما كان عليه النّبيّ صلّى الله عليه وآلِه وسلّم وأصحابُه رضي الله عنهم، لا تلتفت إلى أقوالِ المخالِفين، ولا يضرّها أراجيفُ المناوِئين والخاذلين، ولا تأخذها في اللهِ لومةُ لائمٍ، كما صحّ عنه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم أنّه قال: «لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ الله مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ (وفي روايةِ مسلمٍ: مَنْ خَذَلَهُمْ) وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»(٣- أخرجه البخاريّ في «التّوحيد» (3/ 563) باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ومسلم في «الإمارة» (2/ 925) رقم (1037)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.)، وهي جماعةٌ واحدةٌ لا تقبل التّعدّدَ والتّشطيرَ ولا الانقسامَ والتّجزئةَ، تمتدّ من زمنِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم أوّلَ الأمّةِ إلى قيامِ السّاعةِ آخرَ الأمّةِ، والمقصودُ جنسُ الطّائفةِ مِن أجيالٍ تنقرض ويَخْلُفُهم آخَرُون بنفسِ مقوِّماتِ الطّائفةِ المنصورةِ الثّابتةِ بأصولِها ومنهجِها ودعوتِها ورجالِها، لا ينقطع وجودُها بل يستمرّ على مرِّ العصورِ إلى قيامِ السّاعةِ، تُعْلِي كلمةَ الحقِّ، وتُظْهِرُ التّوحيدَ والشّرْعَ، ويكونُ الدّينُ معها عزيزًا منيعًا قائمًا على تقوى من اللهِ ورضوانٍ.

ومِن هنا يتبلور التّلازُمُ بين هذه الطّائفةِ وعملِها الجهاديِّ، حيث يستمرّ الجهادُ معها غيرَ منقطعٍ، فهو باقٍ ما بقِيَ الصّراعُ بين الحقِّ والباطلِ، والإيمانِ والكفرِ، غيْرَ أنّه قد يَعْظُم أثرُه في بعضِ الأزمانِ ويَضْعُفُ في أزمانٍ أخرى، ويَكْثُرُ انتشارُه في أماكنَ مِنَ الأرضِ ويَقِلّ في أخرى، علمًا أنّ الجهادَ ماضٍ بحسَبِ نوعيّتِه، فقَدْ يكون الجهادُ حسّيًّا بالنّفسِ والمالِ كجهادِ الطّلبِ والدّفعِ، أو معنويًّا باللّسانِ كالجهادِ بالحجّةِ والبرهانِ، وهذا كلُّه مِنَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى لقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» (٤- أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 124)، وأبو داود في «الجهاد» (2504) باب كراهية ترك الغزو، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث صحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (3090).)، ومِنْ دلالةِ الحديثِ يظهر أنّ الجهادَ أعمُّ مِنَ القتالِ، فالجهادُ من حيث أدواتُه يكون بالنّفسِ والمالِ واللّسانِ، ومن حيث محلُّه -كما دلّتْ عليه النّصوصُ الشّرعيّةُ الأخرى- يكون للكفّارِ والمنافقين وأهلِ البدعِ والأهواءِ في الظّاهرِ، وللنّفسِ والشّيطانِ في الباطنِ، فيتنوّع الجهادُ إلى أربعِ مراتبَ: جهادِ النّفسِ، والشّيطانِ والكفّارِ، والمنافقين، وأمّا القتالُ فيكونُ في الأصلِ بخصوصِ النّفسِ من جهةِ أدواتِه، وخصوصِ الكفّارِ من جهةِ محلِّه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «وجهادُ الكفّارِ أخصُّ باليدِ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللّسانِ»(٥- «زاد المعاد» لابن القيّم: (3/11).).

ولا يفوتني أن أذكرَ أنّ حالَ حدوثِ تقطُّعٍ بين قتالٍ وقتالٍ -في الظّاهرِ- لا يُخْرِجُه عن صفةِ الاستمرارِ لأنّ طوْرَ البناءِ والإعدادِ التي تتطلّبها مرحلةُ التّقطُّعِ هي في حقيقةِ الأمرِ تواصلٌ واستمرارٌ، مع بقاءِ جهادِ الكفّارِ -عمومًا- بالحجّةِ والبرهانِ -في تلك المرحلةِ- كجهادٍ معنويٍّ حفاظًا على بيضةِ المسلمين من أعداءِ الإسلامِ والدّينِ.

ثمّ ينبغي أن يُعْلَمَ أنّ قتالَ الكفّارِ المادِّيَّ والبشريَّ يحتاج إلى شرْطِ إعدادِ العُدّةِ الإيمانيّةِ والمادّيّةِ، وإلى غرضٍ صحيحٍ ونبيلٍ، ومقاتلةٍ مع ولاةِ الأمرِ، ذلك لأنّ مِن أصولِ أهلِ السّنّةِ: لزومَ الجماعةِ وترْكَ قتالِ الأئمّةِ وترْكَ القتالِ في الفتنةِ(٦- انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة: (28/128).)، فأهلُ السّنّةِ يَرَوْنَ -إذنْ- وجوبَ الاجتماعِ على منهاجِ النّبوّةِ وعلى ما كان عليه السّلفُ الصّالِحُ، ومِنْ تمامِ هذا الاجتماعِ: السّمعُ والطّاعةُ في المعروفِ لِمَن تأمّرَ علينا ولو كان عبدًا حبشيًّا، مهما كانت صفةُ عدالتِه، فالجهادُ ماضٍ مع البَرِّ والفاجرِ من الولاة، والطّائفةُ المنصورةُ ترى وجوبَ إقامةِ الجهادِ والْجُمَعِ والأعيادِ وغيرها من شعائرِ الإسلامِ الجماعيّةِ مع ولاةِ الأمورِ سواء كانوا صالحين أو فُسّاقًا فسقًا غيْرَ مُخْرِجٍ من الْملّةِ، لأنّ إبعادَهم فُرْقَةٌ وخلافٌ وسببٌ لتشتُّتِ كلمةِ المسلمين، ويترتّبُ عليه مِنْ إراقةِ الدّماءِ وضياعِ الحقوقِ وعدمِ استقرارِ الأمنِ ما يُضْعِفُ شَوْكَةَ المسلمين ويُسَلِّطُ عليهِمُ الأعداءَ، قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله-: «ولهذا كان المشهورُ مِنْ مذهبِ أهلِ السّنّةِ أنّهم لا يَرَوْنَ الخروجَ على الأئمّةِ وقتالَهم بالسّيفِ -وإن كان فيهم ظلمٌ-، كما دلّتْ على ذلك الأحاديثُ الصّحيحةُ المستفيضةُ عنِ النّبيِّ صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم، لأنّ الفسادَ في القتالِ والفتنةِ أعظمُ مِنَ الفسادِ الحاصلِ بظُلْمِهم بدونِ قتالٍ ولا فتنةٍ، فيُدْفَع(٧- وفي الأصل: «فلا يُدْفَعُ».) أعظمُ الفسادين بالتزامِ أدناهما، ولعلّه لا يكاد يُعْرَفُ طائفةٌ خرجتْ على ذي سلطانٍ إلاّ وكان في خروجِها من الفسادِ ما هو أعظمُ من الفسادِ الذي أزالتْه»(٨- «منهاج السّنّة النّبويّة» لابن تيميّة: (3/231).).

وليس معنى ذلك جوازَ إقرارِ الحكّامِ وولاةِ الأمورِ على ما هم عليه من المعاصي والمخالفاتٍ الشّرعِيّةِ، وإنّما الواجبُ كراهيةُ مخالفاتِهم وإنكارُها في حدودِ ما وسعه من قدرةٍ على المناصحةِ والتّغييرِ، من غيرِ نزعِ يدٍ من طاعةٍ أو إحداثِ موجاتٍ من الاضطراباتِ والمشاغَباتِ والمظاهَراتِ والاعتصاماتِ والمنشوراتِ، وأنواعِ السّبابِ والشّتائمِ والقذفِ الموجَّهِ للسّلطانِ وأعوانِه، أو الخروجِ عليه بالحديدِ والنّارِ، وغيرِها من وسائلِ الإخلالِ بالأمنِ والاستقرارِ، سواء كان الخروجُ عليه منتظمًا على هيئةِ فِرَقٍ حزبيّةٍ جهاديّةٍ، أو غيرَ منتظمٍ كما هو حالُ الثُّوّارِ الذين لم يصبروا على جَوْرِ الحكّامِ وظُلْمِهم، قال صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «أَلاَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»(٩- أخرجه مسلم في «الإمارة» (2/ 900) رقم (1855)، من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه.)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلاَّ مَاتَ مِيتةً جَاهِلِيَّةً»(١٠- أخرجه البخاري في «الفتن» (1/ 465) باب قول النبي صلى الله عليه وسلم «سترون بعدي أمورا تنكرونها»، ومسلم في «الإمارة» (2/ 898) رقم (1849) واللفظ له، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.).

ومِن منطلقِ هذا المعتقدِ، فلا شرعيّةَ للفِرَقِ الجهاديّةِ المعاصِرَةِ إلاّ إذا كان معهم ولاةُ أمورِهم أو كانوا تحت إمارتِهم وإشرافِهم، والحديثُ المذكورُ في السّؤالِ يدلّ على أنّ المقاتلةَ مع الأمراءِ، وقد عقّب الشّيخُ محمّدٌ ناصرُ الدّينِ الألبانيُّ -رحمه الله- على كلمةِ: «أَمِيرُهُمْ» بأنّه المهديُّ: وهو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، كما تضافرتْ بذلك الأحاديثُ بأسانيدَ بعضُها صحيحٌ وبعضُها حسنٌ(١١- انظر: «سلسلة الأحاديث الصّحيحة» للألباني: (5/278، 371-372).).

وضِمْنَ هذا المعنى، قال الآجريُّ -رحمه الله-: «قد ذكرتُ من التّحذيرِ من مذاهبِ الخوارجِ ما فيه بلاغٌ لمن عصمه اللهُ تعالى عن مذهبِ الخوارجِ، ولم يَرَ رأيَهم، وصبر على جَوْرِ الأئمّةِ وحيفِ الأمراءِ، ولم يخرجْ عليهم بسيفِه، وسأل اللهَ تعالى كشْفَ الظّلمِ عنه وعنِ المسلمين، ودعا للوُلاَةِ بالصّلاحِ، وحجّ معهم، وجاهد معهم كلَّ عدُوٍّ للمسلمين وصلّى معهم الجُمُعةَ والعيدين، فإنْ أمروه بطاعةٍ فأمكنه أطاعهم، وإن لم يُمكنْه اعتذر إليهم، وإن أمروه بمعصيةٍ لم يُطِعْهم، وإذا دارتِ الفِتَنُ بينهم لزم بيتَه وكفّ لسانَه ويدَه، ولم يَهْوَ ما هم فيه، ولم يُعِنْ على فتنةٍ، فمَنْ كان هذا وصْفَه كان على الصّراطِ المستقيمِ إن شاء اللهُ»(١٢- «الشّريعة» للآجري: (40).).

فإنْ تخلَّفَتِ الشّروطُ واحتاجتِ المرحلةُ إلى إعدادٍ وبناءٍ فإنّ الطّائفةَ المنصورةَ لا تزالُ بمقوِّماتِها تجاهدُ بالحجّةِ والبرهانِ وهو القتالُ المعنويُّ، وقد جاء في الحديثِ: «لاَ يَزَالُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ بِغَرْسٍ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ»(١٣- أخرجه أحمد في «مسنده» (4/ 200)، وابن ماجه: باب اتّباع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (8)، من حديث أبي عنبة الخولانيّ رضي الله عنه. والحديث حسّنه الألبانيّ في «السّلسلة الصّحيحة» (5/ 571).).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: 18 رجب 1431 ﻫ
الموافق ﻟ: 30 جوان 2010م


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على نبيه الكريم

وعلى آله وصحبه أجمعين .

وبعد :

أخي الكريم هذه تعليقات بسيطة على بعض ما ورد في كلام الشيخ الفركوس :

المسألة الأولى :

قوله :

(علمًا أنّ الجهادَ ماضٍ بحسَبِ نوعيّتِه، فقَدْ يكون الجهادُ حسّيًّا بالنّفسِ والمالِ كجهادِ الطّلبِ والدّفعِ، أو معنويًّا باللّسانِ كالجهادِ بالحجّةِ والبرهانِ، وهذا كلُّه مِنَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى).

معنى كلامه أن الجهاد الحسي بالنفس (جهاد السيف) قد يتوقف ليحل محله الجهاد المعنوي باللسان - ولا يعني هذا أن الجهاد توقف - بل هو ماض ما دام واحد من النوعين موجودا !!

هذا الكلام لا بد معه من عدة تنبيهات مهمة :

أولا :

أن الجهاد حقيقة في عبادة مجاهدة الكفار بالسيف ومجاز في سائر العبادات والقربات التي فيها بذل للجهد ومكابدة للمشاق .

ولهذا قال العلاَّمة ابن رشدٍ في المقدمات : « كلُّ من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله؛ إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أُطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون » .

وقال أبو حيان في تفسيره :

(يكون فعل {جاهد} مستعملا في حقيقته ومجازة وهما الجهاد بالسيف والجهاد بإقامة الحجة والتعريض للمنافق بنفاقه فإن ذلك يطلق عليه الجهاد مجازا كما في قوله صلى الله عليه وسلم "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" [1]، وقوله للذي سأله الجهاد فقال له : "ألك أبوان" ؟ قال: نعم قال : "ففيهما فجاهد".) اهـ .

ومن استعماله في المجاز أيضا حديث فضالة بن عبيد قال : سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : «المجاهدُ مَنْ جاهد نفسه» أخرجه الترمذي .

وحيث أطلق الجهاد في لفظ الشارع فهو ينصرف إلى الجهاد بالسيف لأنه حقيقة فيه ولا ينصرف إلى غيره.

والقاعدة أن اللفظ لا يصرف عن الحقيقة إلا لاستحالة قصدها أو لقرينة دالة على أنها غير مقصودة .

قال الشيخ سيدي عبدُ الله في المراقي :

وحيثما استحال الأصل ينتقل إلى المجاز أو لأقرب حصل

وقال الخطيب البغدادي :

(فإذا ورد لفظ حمل على الحقيقة بإطلاقه، ولا يحمل على المجاز إلا بدليل )، الفقيه والمتفقه - (1 / 96)

وقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم : (ما الجهاد قال أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم) رواه أحمد في المسند وعبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن عبسة بسند رجاله ثقات.
فالجهاد حيث أطلق فالمقصود به : الجهاد بالسيف .

ثانيا :

الجهاد بالسيف لا ينوب عنه بقية أعمال الخير التي تسمى جهادا "مجازا" :

كلامه في الفقرة السابقة فيه محاولة للتسوية بين جهاد السيف وجهاد الكلمة وكأنما يريد صاحبه أن يقول للقارئ :

إن الاشتغال بجهاد الكلمة يسقط عنا جهاد السيف !

فحين ننشغل بالدعوة والتعليم فلا بأس علينا من القعود لأننا مجاهدون !!

وهذا من تلبيس إبليس !

فالقيام بجهاد الحجة والبيان لا يسقط عنا القيام بجهاد السيف والسنان؛ فكلاهما واجب لا يجوز التفريط فيه ممن وجب عليه والقيام بأحدهما لا يسقط الآخر .

كما أن القيام بفريضة الصلاة لا يسقط القيام بفريضة الزكاة.

وقد روى ابن ماجة في السنن عن أبي أمامة :

(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يغز أو يجهز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله سبحانه بقارعة قبل يوم القيامة).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ نفسه بالغزو، مات على شعبة من نفاق) رواه مسلم.

وروى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله بغير أثر من الجهاد لقيه وفيه ثلمة ) قال الحاكم :هذا حديث كبير في الباب غير أن الشيخين لم يحتجا بإسماعيل بن رافع .

فلا بد لكل مسلم من المشاركة في جهاد السيف إما بالمباشرة وإما بالدعم وإلا كان عاصيا آثما مستوجبا للإثم والعقوبة .

وهذا الوعيد موجه لكل مسلم حتى ولو كان منشغلا بالدعوة والتعليم .

فحين ننشغل بالدعوة إلى الله وتعليم الناس وإرشادهم فلا ينبغي أن نخادع أنفسنا وندعي بأننا على ثغرة عظيمة من أجل التهرب من ثغرات أخرى أعظم كلفة وأشد خطرا مثل الجهاد بالسيف ..

ولا بد من التنبيه إلى أن الدين لا يقوم على السيف دون الحجة ولا يقوم على الحجة دون السيف بل يقوم على السيف الذي تدعمه الحجة وعلى الحجة التي يحميها السيف ‘ فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر ‘

فلا داعي إذن لمحاولة الفصل بين العلم والجهاد أو الاستعاضة بأحدهما عن الآخر لأن كلا منهما يدعم الآخر ويكمله والمسلمون مطالبون بالجمع بينهما وعدم التفريط في أي منهما :


فما هو إلا الوحي أوحد مرهف تميل ظباه أخدعا كل ما يل
فهذا شفاء الداء من كل عاقل وهذا دواء الداء من كل جاهل


والدعوة بالبيان وإقامة الحجة لا تقتضي أبدا ترك الجهاد بالسيف .

قال شيخ الإسلام بن تيمية :

( وقوله تعالى : {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم}وقوله : {وجادلهم بالتي هي أحسن} ليس في القرآن ما ينسخهما ولكن بعض الناس يظن أن من المجادلة ترك الجهاد بالسيف وكل ما كان متضمنا لترك الجهاد المأمور به فهو منسوخ بآيات السيف) النبوات - (1 / 157)

ثالثا : المفاضلة بين العلم والجهاد

يقول بعض أهل العلم بأن الجهاد بالحجة أفضل من الجهاد بالسيف، والذي يظهر أن هذا القول غير صحيح بهذا الإطلاق وذلك لعدة أسباب :

السبب الأول : التفريق بين حالتي "الجمع" و "التعارض"

إن العبادات ينبغي أن يفرق فيها عند التفضيل بين حالتين :

حالة التعارض (أي عدم إمكانية الجمع بينها)، وحالة الاجتماع (أي عند إمكانية الجمع بينها).

أما بالنسبة لحالة التعارض فإنه ينبني على التفضيل فيها تقديم الفاضل وتأخير المفضول ، وهذه الحالة لا ينبغي التفضيل فيها بإطلاق بين العبادات الواجبة التي يختلف مجالها إذ كلها مطلوبة في محلها .

وإنما ينظر إلى الأفضلية بحسب الحال والظرف فما كانت حاجة الوقت إليه أشد كان أفضل من غيره

وقد نص على ذلك ابن القيم في بعض كتبه .

وقد يكون الشخص أقدر على أداء واجب وأكثر أهلية له من غيره فهو بالنسبة له أفضل لأنه أصبح متعينا عليه .

ولهذا فإن القضاء وطلب العلم قد يتعينان على شخص دون آخر .

أما الحالة الثانية وهي حالة "إمكان الجمع بين العملين" التي لا ينبني على التفضيل فيها تقديم ولا تأخير وإنما معرفة الأكثر ثوابا فقط فلا ينبغي القول فيها بالتفضيل إلا بناء على نص من الشارع لأن التفضيل بين الأعمال من حيث الثواب مسألة توقيفية لا دخل فيها للاجتهاد .

ونريد الآن النظر في النصوص الشرعية لمعرفة أيهما أكثر ثوابا : الجهاد بالسيف أم الجهاد بالحجة وتبليغ العلم ؟

ورد في النصوص الشرعية تفضيل الجهاد بالسيف على سائر الأعمال ومن ذلك :

1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله قالوا: ثم من قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره.

2- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «لولا أن أشُقَّ على المسلمين ما تخلَّفْتُ عن سَرِيَّة، ولكنْ لا أجدُ حَمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويَشُقُّ عليَّ أن يتخلَّفوا عني، فَلَوَدِدْتُ أني قاتلتُ في سبيل الله فَقُتِلْتُ، ثم أحييتُ ثم قُتِلْتُ، ثم أُحْيِيتُ» البخاري.

3- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : «قيل : يا رسول الله، ما يَعْدِل الجهادَ في سبيل الله ؟ قال : لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين، أو ثلاثا، كلُّ ذلك يقول : لا تستطيعونه، ثم قال : مَثَلُ المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم القانِتِ بآيات الله، لا يَفْتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله» أخرجه مسلم والترمذي.

4- عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عام تبوك يخطُب الناسَ وهو مسند ظهره إلى راحلته، فقال : «ألا أخبركم بخيرِ الناس، وشرَّ الناس ؟ إنَّ مِنْ خير الناس : رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه، أو على ظهر بعيره، أو على قدمه، حتى يأتيَه الموت، وإن من شَرِّ الناس رجلا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه» أخرجه النسائي.

5- روى البخاري في فضل العشر من ذي الحجة قال :

- حدثنا محمد بن عرعرة قال حدثنا شعبة عن سليمان عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما العمل في أيام أفضل منها في هذه قالوا ولا الجهاد قال ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء .

6- عن أبي هريرة قال : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا؟ قال الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور) متفق عليه .

وهذه الأحاديث دالة على تفضيل الجهاد على سائر الأعمال ولهذا كان هو ذروة سنام الإسلام .

السبب الثاني : أن الأجر على قدر المشقة

من الخطأ أن نظن بأن الشرع الذي جاء من عند أحكم الحاكمين يساوي في المنزلة بين جهاد فيه القتل والأسر ومفارقة الأهل والأوطان ومشقة الترحال والأسفار ومراغمة ذوي البأس من الكفار مع جهاد (مجازا) لا قتل فيه ولا أسر ولا تعب ولا أخطار ولا إزعاج من الكفار !

وقد تقرر في الشرع أن عظم الأجر على قدر المشقة :

ومن أدلة هذه القاعدة :

1- قال تعالى : { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } .

قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيره وهو يعدد الفوائد من هذه الآية :

(ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر).

2- عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران) متفق عليه .

3- عن أبي بن كعب قال : (كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه وكان لا تخطئه صلاة فقيل له أو قلت له لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء قال ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد جمع الله لك ذلك كله) متفق عليه .

4- عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه .

قال ابن دقيق :

(وأما الصبح فلأنها في وقت لذة النوم فإن كانت في زمن البرد ففي وقت شدته لبعد العهد بالشمس لطول الليل وإن كانت في زمن الحر: فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس لبعد العهد بها فلما قوي الصارف عن الفعل ثقلت على المنافقين وأما المؤمن الكامل الإيمان: فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة). إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام - (1 / 116)

5- عن عائشة، قالت : يا رسول الله يصدر الناس بنُسُكَيٌن وأصدر بنُسُكٍ واحد ؟ قال : ( انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه ثم ائتنا بمكان كذا ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) رواه البخاري .

قال ابن بطال في شرح هذا الحديث :

(أفعال البر كلها الأجر فيها على قدر المشقة والنفقة، ولهذا استحب مالك وغيره الحج راكبا، ومصداق هذا فى كتاب الله قوله : {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون }[ التوبة : 20 ] وفى هذا فضل الغنى وإنفاق المال فى الطاعات، ولما فى قمع النفس عن شهواتها من المشقة على النفس ) شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (4 / 445)

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي :

(القاعدة الثالثة والخمسون: من قواعد القرآن: أنه يبين أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة، ويبين مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من منته وإحسانه، وأنها لا تنقص من الأجر شيئاً) القواعد الحسان في تفسير القرآن .

السبب الثالث : الواجب المضيق

ومن المهم التنبه إلى أن هناك فرقا حساسا بين الجهاد بالسيف والجهاد بالكلمة ..

وهذا الفرق له دلالة عميقة :

الجهاد بالسيف باب من أبواب الفقه المعروفة ..له أحكامه المعروفة ..

نعلم من خلال هذه الأحكام: متى يكون واجبا وأين يكون واجبا وعلى من يكون واجبا ..

ومتى يكون فرض عين ومتى يكون فرض كفاية ..

أي أنه عبادة محددة ومقدرة كما هو الشأن في عبادة الصلاة وعبادة الصوم وعبادة الزكاة ..

أما جهاد الكلمة والدعوة والتعليم والموعظة فهو عبادة غير مقدرة فالشرع لم يجعل له نصابا محددا وجوبا أو سقوطا، ولم يخصص له وقتا ولم يعين له مكانا .

فهو عبادة مطلقة من جميع الزوايا والاتجاهات.

وهذا الإطلاق يستفاد منه أنه عبادة موسعة الوقت بخلاف الجهاد بالسيف فهو مضيق الوقت .

ومعلوم أن العبادة المضيق وقتها مقدمة على العبادة الموسع وقتها .

لأن الواجب المضيق وجوبه على الفورية منذ وقت وجوبه ، والواجب الموسع وجوبه على التراخي .

كما أن الواجب المضيق يعاقب على تركه بمجرد حضور وقته، أما الواجب الموسع فلا يعاقب عليه إلا بالنسبة للترك في العمر كله (ما لم يتعين ) .

أقول : وهذه الأمور كلها تدل على أن تفضيل جهاد الكلمة على الجهاد بالسيف بإطلاق فيه قدر من عدم الدقة .

*****


المسألة الثانية :

قوله :

(وهذا كلُّه مِنَ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى لقولِه صلّى اللهُ عليه وآلِه وسلّم: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»...ومِنْ دلالةِ الحديثِ يظهر أنّ الجهادَ أعمُّ مِنَ القتالِ، )

صحيح أن الجهاد "المجازي" - المقصود به كل ما فيه مشقة في سبيل الله- أعم من القتال.

أما الجهاد حقيقة فلا يطلق إلا على القتال بالسيف .

أما قوله صلى الله عليه وسلم :«جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» فقد ورد في سياق التحريض على جهاد الكفار .

وذالك أن جهاد الكفار يكون بحمل السلاح مباشرة وبإعانة المجاهدين بالأموال وتجهيز الغزاة وبتحريض المسلمين على القتال ورفع هممهم وتثبيط الكافرين وتخذيلهم فهذه الأمور الثلاثة داخلة في جهاد الكفار وهي المقصودة في الحديث فلا علاقة للحديث بجهاد الحجة والبيان بل هو وارد في قتال الكفار .

قال الصنعاني في سبل السلام :

(الحديث دليل على وجوب الجهاد بالنفس وهو بالخروج والمباشرة للكفار وبالمال وهو بذله لما يقوم به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه وهذا هو المفاد من عدة آيات في القرآن {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} والجهاد باللسان بإقامة الحجة عليهم ودعائهم إلى الله تعالى وبالأصوات عند اللقاء والزجر ونحوه من كل ما فيه نكاية للعدو {وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} وقال صلى الله عليه وسلم لحسان:إن هجو الكفار أشد عليهم من وقع النبل).

وقال السيوطي في الكلام على هذا الحديث:

( قال المنذري يحتمل أن يريد بقوله وألسنتكم الهجاء ويؤيده قوله : "فلهو أسرع فيهم من نضح النبل" ويحتمل أن يريد به حض الناس على الجهاد وترغيبهم فيه وبيان فضائله لهم).شرح السيوطي لسنن النسائي - (6 / 7)

والحديث أورده أبو داود في باب كراهية ترك الغزو،

وأورده ابن الخراط في الأحكام الكبرى تحت عنوان : (بَاب هجاء الْمُشْركين).

وقد ورد في السنة الحث على الإنفاق على الغزو واعتبار فاعله مشاركا للمجاهدين في جهادهم وأن ذلك من الجهاد بالمال .

ومما ورد في ذلك :

حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا، ومن خَلَّف غازيا في أهله بخير فقد غزا» أخرجه الجماعة إلا «الموطأ».

وحديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «للغَازي أجرُه، وللجاعِلِ أجرُه وأجرُ الغازي» أخرجه أبو داود.

وهكذا التحريض -وهو من الجهاد باللسان- أمر به الله سبحانه وتعالى مع الأمر بالقتال فقال :

{فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء : 84].

فالإنفاق على الغزو والتحريض على الجهاد كلها من متعلقات الجهاد بالسيف وهي المعنية في الحديث وقد قدمنا أن الجهاد حيث أطلق فالمقصود به الجهاد بالسيف حملا له على الحقيقة .

فلا علاقة - إذن- لهذا الحديث بجهاد الحجة والكلمة .

*****


المسألة الثالثة :

قوله :

(فالجهادُ من حيث أدواتُه يكون بالنّفسِ والمالِ واللّسانِ، ومن حيث محلُّه -كما دلّتْ عليه النّصوصُ الشّرعيّةُ الأخرى- يكون للكفّارِ والمنافقين وأهلِ البدعِ والأهواءِ في الظّاهرِ، وللنّفسِ والشّيطانِ في الباطنِ، فيتنوّع الجهادُ إلى أربعِ مراتبَ: جهادِ النّفسِ، والشّيطانِ والكفّارِ، والمنافقين، وأمّا القتالُ فيكونُ في الأصلِ بخصوصِ النّفسِ من جهةِ أدواتِه، وخصوصِ الكفّارِ من جهةِ محلِّه، قال ابنُ القيّمِ -رحمه الله-: «وجهادُ الكفّارِ أخصُّ باليدِ، وجهادُ المنافقين أخصُّ باللّسانِ»(٥- «زاد المعاد» لابن القيّم: (3/11).).

هذا الخلط بين مفهوم الجهاد بالسيف وغيره من أنواع الجهاد الأخرى لا طائل من ورائه ولن يجني منه المخلطون كبير فائدة .

وذاك لأن الجهاد بالسيف لا يلتبس من حيث التناول الفقهي مع غيره فلكل أحكامه التي تميزه عن الآخر .

وقد تحدث الفقهاء عن الجهاد بالسيف وبينوا واجباته وشروطه وممنوعاته وسائر الأحكام المتعلقة به وبالرجوع إلى مصنفاتهم يمكن أن نميز بين الجهاد الواجب والجهاد المندوب والجهاد الممنوع والجهاد المشروع دون الحاجة إلى وضع الأصبع على هذه التعريفات التي إن صحت فهي من الحق الذي أريد به الباطل !

لأن الفكرة التي يدندن حولها هؤلاء هي أن الجهاد ليس محصورا في القتال بالسيف؛ بل هناك جهادات أخرى أقل تكلفة وأكثر جدوائية يمكن الاستعاضة بها عن الجهاد بالسيف !!

لكن بمجرد أن نسقط على واقعنا أحكام الجهاد المقررة في الفقه فسوف يتبخر هذا الكلام ويبطل مفعوله .

*****


المسألة الرابعة :

قوله :

(ولا يفوتني أن أذكرَ أنّ حالَ حدوثِ تقطُّعٍ بين قتالٍ وقتالٍ -في الظّاهرِ- لا يُخْرِجُه عن صفةِ الاستمرارِ لأنّ طوْرَ البناءِ والإعدادِ التي تتطلّبها مرحلةُ التّقطُّعِ هي في حقيقةِ الأمرِ تواصلٌ واستمرارٌ، مع بقاءِ جهادِ الكفّارِ -عمومًا- بالحجّةِ والبرهانِ -في تلك المرحلةِ- كجهادٍ معنويٍّ حفاظًا على بيضةِ المسلمين من أعداءِ الإسلامِ والدّينِ).

هذا الكلام ما هو إلا قلب للحقائق الماثلة أمام الأعين !

فهو يريد إقناعنا بأن هؤلاء المخذلين والقاعدين عن جهاد أعداء الدين هم المجاهدون الحقيقيون !!

وأن ما يمارسونه من قعود وتخذيل عن الجهاد ما هو إلا نوع من الإعداد !!

أعتقد أن هذه هي آخر نظرية تفتقت عنها ذهنية المخذلين : أن يكون القعود عن الجهاد نوعا من الإعداد !

وبالتالي فإنه جهاد !!

ومن الواجب عليك - حسب هذه النظرية- أن تكسر المسلمات العقلية وتجمع بين الضدين فتؤمن بأن ترك الجهاد يساوي القيام بالجهاد !

وأن فترة انقطاع الجهاد هي نفسها فترة استمرار الجهاد !!

أنا لا ألوم من يقول هذا الكلام ..لكني ألوم من يصدقه !

إن الله تعالى لم يشرع الإعداد لكي يكون ذريعة للتخذيل والاستمرار في القعود ..

الإعداد عملية استعداد وجمع للطاقات يقوم بها الطرف المهاجِم قبل بدء المعركة أما الطرف المهاجَم فلا وقت لديه للإعداد بل ضرورة المعركة تفرض عليه أن يبادر بصد العدوان بالموجود وألا يشغله عن البدار طلبُ المفقود .

هذا النوع من الإعداد ينسحب عليه المثل الحساني الذي يقول : "أُفات الدّيٌكة وهو يتحَزّم" أي : (انتهت المعركة وهو يستعد) !

إن العدو قد حل بالديار وعاث في الأمصار .. وسفك الدماء ..وانتهك الأعراض ..ودنس المقدسات ..ونهب الثروات ..فإلى متى الإعداد ؟

الملايين قتلوا ونحن في مرحلة الإعداد !

والملايين شردوا ونحن في مرحلة الإعداد !

والملايين في السجون ونحن في مرحلة الإعداد !

والملايين يعيشون الخوف والفزع ونحن في مرحلة الإعداد !

والملايين تحت القهر والذل والبطش ونحن في مرحلة الإعداد !

والأجيال تتوارث القعود بحجة الإعداد !

وتموت على الفراش بحجة الإعداد!

فإلى متى الإعداد؟

ليس هذا هو الإعداد الذي أمر الله به ..

الإعداد لا يعني أن ندخل في سرداب عميق لا نهاية له ثم ننظر من بعيد إلى ضحايا المسلمين ونلوح لهم بإشارة النصر ونقول : نحن قادمون !

الإعداد يعني أن ننتفض كالطير ونثِبَ كالأسود ونستغل كل الإمكانيات ونجمع كل الطاقات وننطلق في أسرع اللحظات لدفع العدوان وصد الهجمات .

ولهذا أمر الله تعالى بالمستطاع منه فقال : {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }..

وإنك لتلمح في قوله تعالى : {ما استطعتم} إشارة إلى الإسراع والمبادرة التي لا تسمح بالتراخي فتدرك أن الآية سيقت في معرض التحفيز والاستنفار لكن أصحاب الإعداد السرمدي جعلوها ذريعة لنوم عميق !

يا أصحاب جهاد الإعداد :

إن الإعداد شرع ليكون زيادة في قوة المسلمين لا وسيلة للتخذيل والتقاعس عن نصرة المستضعفين.

لكن النظرية الأخرى الأشد غرابة هي ما عبر عنها بقوله :

(مع بقاءِ جهادِ الكفّارِ -عمومًا- بالحجّةِ والبرهانِ -في تلك المرحلةِ- كجهادٍ معنويٍّ حفاظًا على بيضةِ المسلمين من أعداءِ الإسلامِ والدّينِ).

ومعني هذا أن الجهاد بالحجة والبرهان يحمي بيضة المسلمين من أعداء الدين !

وإذا كان الأمر كذلك ..ففيم إعداد العدة ؟

وفيم الجهاد بالسيف ولدينا الجهاد بالحجة ؟

وهو أقل كلفة وأسهل محجة !

إنها فكرة مصادمة لقوله تعالى : { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [الحج : 40] .

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإعداد المأمور به بقوله :( ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ).

إن حماية بيضة المسلمين لا تكون إلا بالسيف، والقوة لا يصدها إلا القوة ..

وإنما شرعت مجادلة الكفار بالحجة والبرهان من أجل دعوتهم إلى الإسلام لا لحماية المسلمين منهم فهذا ميدان وذلك ميدان .

وإذا كان الجهاد بالحجة والبرهان يحمي بيضة المسلمين كما تزعمون يا أصحاب جهاد الكلمة فدونكم بيضة المسلمين فإنها مستباحة إلى أقصى الحدود ..فلم لا تحمونها ؟

ألأنه لا حجة لكم ولا برهان ؟

*****


المسألة الخامسة :

قوله

(ثمّ ينبغي أن يُعْلَمَ أنّ قتالَ الكفّارِ المادِّيَّ والبشريَّ يحتاج إلى شرْطِ إعدادِ العُدّةِ الإيمانيّةِ والمادّيّةِ، وإلى غرضٍ صحيحٍ ونبيلٍ، ومقاتلةٍ مع ولاةِ الأمرِ، )

ذكر في هذا الكلام أربعة شروط لقتال الكفار هي :

1- العدة الإيمانية

2- العدة المادية

3- الغرض الصحيح والنبيل

4- المقاتلة مع ولي الأمر.

ونبدأ الآن في النظر في صحة وجود هذه الشروط :

  • الشرط الأول : العدة الإيمانية

    الزعم بأن الجهاد سواء كان جهاد دفع أو جهاد نشر يشترط له درجة من الإيمان زائدة على أصل الإيمان زعم باطل لا أساس له من الصحة ولا مستند له من الشرع ولم يقل به أحد من أهل العلم .

    بل إن الجهاد يجب على كل مسلم - غير معذور- مهما كانت درجة إيمانه في الضعف.

    وقد أخبر الله تعالى عن ضعف إيمان الأعراب فقال : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات : 14]

    ومع ذلك استنفرهم بقوله : {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } [الفتح : 16]

    وكان الرجل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في الإسلام وأول ما يبدأ به من الأعمال هو الجهاد .

    عن البراء رضي الله عنه قال :

    (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال يا رسول الله أقاتل أو أسلم قال أسلم ثم قاتل فأسلم ثم قاتل فقتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل قليلا وأجر كثيرا) رواه البخاري .

    ودلت السنة على أن المجاهدين قد يتفاوتون في الإيمان قوة وضعفا وأنه قد يكون فيهم قوي الإيمان وقد يكون فيهم ضعيف الإيمان :

    عن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال : سمعتُ عمرَ بنَ الخطاب يقول: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : «الشُّهداءُ أربعة : رَجُل مُؤمِن جَيِّدُ الإيمان، لقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ الله حتى قُتل، فذلك الذي يَرْفَع الناسُ إليه أعيُنَهم يوم القيامة هكذا - ورفع رأسَهُ حتى سَقطت قَلَنْسُوتُه، فلا أدري أقَلَنْسُوةَ عُمر أراد أم قَلَنْسُوَةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ؟ - قال : ورجُل مُؤمِن جَيِّدُ الإيمان، لَقِيَ العَدُوَّ فكأنَّما ضُرب جِلدُهُ بِشَوْك طَلْح من الجُبْنِ، أتاه سَهْمُ غَرب فَقَتَلَهُ، فهو في الدرجة الثانية، ورَجُل مُؤمِن خَلَطَ عملا صالحا وآخَر سيئا، لَقِيَ العَدُوَّ، فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ- فذلك في الدرجة الثالثة، ورجل مُؤمِن أسْرَفَ على نفسه، لقي العَدُوَّ، فَصَدَقَ الله حتى قُتِلَ، فذلك في الدرجة الرابعةِ» أخرجه الترمذي.

    والأحاديث مصرحة بأن المجاهد قد تكون له ذنوب تحتاج إلى المغفرة وأن القتل في سبيل الله يكفرها ومن ذلك :

    عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : «جاء رجل إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو يَخْطُب على المنبر، فقال : أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيل الله صابرا مُحْتَسبا. مقبلا غير مدبر، أيُكفِّرُ الله عني سيئآتي ؟ قال : نعم، ثم سَكَتَ ساعة، فقال : أين السائل آنِفا ؟ فقال الرجل: فها أنَا ذَا، قال : ما قُلْتَ ؟ قال : أرأيتَ إن قُتِلْتُ في سبيل الله صابرا مُحتَسبا مُقْبلا غير مُدْبر أيكفِّرُ [الله] عَنِّي سيئاتى ؟ قال : نعم، إلا الدَّين، سَارَّني به جبريل آنفا» أخرجه النسائي.

    وفي هذا دليل على أن قوة الإيمان ليست شرطا للجهاد.

    ثم إنه من التناقض البين القول باشتراط قوة الإيمان لأي عبادة من العبادات؛ لأن هذه العبادات هي الوسيلة لزيادة الإيمان وبالزيادة منها يزداد الإيمان .

    ولا يمكن أن تكون زيادة الإيمان متوقفة على حصول العبادات وفي الوقت نفسه يكون حصول العبادات متوقفا على زيادة الإيمان ..فهذا دور وتسلسل في غاية الاستحالة .

    واشتراط قوة الإيمان للجهاد بالذات مسألة لا معنى لها لأن الجهاد من أشد العبادات دلالة على قوة الإيمان لما فيه من التضحية والمشقة التي لا يصبر عليها إلا من كان قوي الإيمان ولهذا كان الشهيد لا يفتن في قبره لأنه قدم البراهين الدالة على صدق إيمانه .

    وقد روى النسائي في السنن عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أن رجلا قال : «يا رسول الله، ما بالُ المؤمنينَ يُفْتَنون في قبورهم إلا الشهيد ؟ قال : كَفَى ببارقةِ السُّيوف على رأسِهِ فتنة».

  • الشرط الثاني: العدة المادية

    جهاد المسلمين اليوم للكفار كله جهاد دفع ولا نعلم أحدا من أهل العلم قال بأن جهاد الدفع يشترط له الإعداد

    قال شيخ الإسلام بن تيمية :

    (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان. وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده، ).

    والدليل على أن جهاد الدفع لا يشترط له إعداد وأن الصائل يدفع بحسب الإمكان ما رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال :

    (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال أرأيت إن قتلني قال فأنت شهيد قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار).

    وعن طلحة بن عبد الله بن عوف عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

    (من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.

    وجه الدلالة من الحديثين الأمر بدفع الصائل والتصدي له والترغيب فيما فيه من الأجر والثواب؛ ومعلوم أن دفع الصائل لا يتحقق إلا بالمبادرة فمن اشتغل بالإعداد عن مدافعة الصائل فقد أخل بما أوجب الله عليه .

    إن الإعداد محله الحرب الهجومية لا الحرب الدفاعية ..

    ومحله قبل بداية المعركة لا بعد اشتعالها ..

    عندما يهجم العدو ويغزو المسلمين في عقر دارهم فلا يجوز الإمهال ولا الانتظار ولا التربص ..

    بل إن الجهاد في هذه الحالة يصبح واجبا على من لم يكن واجبا عليه ..كما قال الشيخ خليل في المختصر : (وتعين بفجء العدو وإن على امرأة ) وذلك من أجل المبادرة إلى دفع الصائل .

    ويسقط في هذه الحالة وجوب الإعداد ليحل مكانه وجوب المبادرة .

    فالإعداد ليس من شروط جهاد الدفع أبدا .

    ثم إن الإعداد سواء بالنسبة لجهاد الدفع أو جهاد النشر لا يتصور فيه أكثر من الوجوب ولا ينبغي أن يقال بأنه شرط صحة لأنه مجرد وسيلة وليس مقصودا لذاته .

  • الشرط الثالث : الغرض الصحيح النبيل

    وهذا الشرط يشترط لكل الأعمال والطاعات إلا أنه شرط قبول لا شرط وجوب .

    لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .

    فالعمل قد يكون في الظاهر صحيحا وفي الباطن مردودا على صاحبه .

    ومن زعم بأن هذا الشرط مفقود عند المجاهدين اليوم فعليه البينة .

    وأعتقد أن الشيخ ذكر هذا الشرط من باب الاستكثار من الشروط وإلا فقد كان غنيا عن إيراده .

  • الشرط الرابع : الجهاد مع الإمام

    اشتراط الإمام لجهاد الدفع مسألة باطلة لا تنطلق من أساس شرعي ولا تنسجم مع منطق عقلي ولم يقل بها أحد من أهل العلم المتقدمين .

    وبطلان هذا الشرط يتضح من عدة وجوه :

    الوجه الاول : أن انتظار وجود الإمام أو تنصيبه يتنافى مع وجوب المبادرة الذي سبق أن ذكرنا .

    الوجه الثاني : إذنه صلى الله عليه وسلم في مقاتلة الإمام إذا ارتد بقوله : (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب قتال الحاكم إذا ارتد ولم يأمر باستخلاف إمام مكانه قبل المقاتلة فدل ذلك على مشروعية القتال مع انعدام الإمام لأن ترك البيان عند وقت الحاجة لا يجوز .

    الوجه الثالث : حديث أبي هريرة السابق :

    (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال فلا تعطه مالك قال أرأيت إن قاتلني قال قاتله قال أرأيت إن قتلني قال فأنت شهيد قال أرأيت إن قتلته قال هو في النار). فيه دلالة على مشروعية جهاد الدفع دون إمام بالنسبة للفرد، وهو يدل من باب الأحروية على مشروعية جهاد الدفع دون إمام بالنسبة للجماعة .

    الوجه الرابع : إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لقتال أبي بصير لقريش وحده وقوله فيه : (ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه غيره).

    و إقراره لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه عندما قاتل الذين عدوا على إبل الصدقة ولم يستأذن النبي صلي الله عليه وسلم فأقره بقوله (خير رجالتنا سلمة ).

    الوجه الخامس : مسألة اشتراط الإمام للجهاد فيها أيضا نوع من الدور والتسلسل ؛ فباعتبار أن نصب الإمام لا يكون إلا عن طريق الجهاد والقوة سوف يكون اشتراط الإمام للجهاد من الدور .

    وإلى هذا أشار العلامة محمد المامي الشنقيطي بقوله :


    وقلتم لا إمام بلا جهاد يعززه فهلا تضربونا
    وقلتم لا جهاد بلا إمام نبايعه فهلا تنصبونا
    إذا جاء الدليل وفيه دور كفى وعظا لقوم عاقلينا


    وقضية اشتراط الإمام للجهاد أصبحت من الشبه المتهافتة فقد رد عليها أهل العلم وبينوا بطلانها بما فيه الكفاية .

    وقد رد عليها الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله في الرد على اعتراضات ابن نبهان فقال :

    ( ويقال : بأي كتابٍ، أم بأية حجةٍ أن الجهاد لا يجب إلا مع إمامٍ متبع ؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد في تركه، قال تعالى {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ }(البقرة: من الآية251)، وقال في سورة الحج {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ ...} الآية (الحج: من الآية40) .

    وكل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماماً إلا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام. ) (الدرر 8/199 - 200) .

    وقال الشيخ على الخضير في رسالة "الإمامية" :

    (نحن اليوم أمام تيار جديد وهو تيار ربط الأحكام والحقوق الشرعية وشعائر الدين الظاهرة بالحاكم وبالإمام في الوقت الذي لهؤلاء الأئمة والحكام توجهات تخالف الشريعة، فيؤدي إلى تعطيل هذه الشعائر أو جعلها أداة للسياسة، فبدل أن تكون السياسة تابعة للدين أصبح العكس حتى قال بعضهم، الدين يخدم السياسة ..

    وإذا كان المعطلة من جهمية ومعتزلة وأشعرية وغيرهم قد أوّلوا آيات وأحاديث الصفات وحرفوها إلى أصولهم الباطلة، فإن هؤلاء أوّلوا وحرفوا الآيات والأحاديث المتعلقة بالجهاد والقيام بالشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية وخصوها بالحكام مع تعطيل الحكام لها .... مذهب الإمامية المعاصرة قائم على أنهم يوجبون على الإنسان إتباع المذهب الفقهي السياسي المناسب للحكام أو المذهب الوطني أو الإقليمي أو الدولي أو العالمي، وهو جزء من توجه المنهزمين والمتخاذلين لا كثرهم الله، وجزء من توجه المرجئة المعاصرة المصانعين للحكام) .اهـ

    *****


    المسألة السادسة :

    قوله :

    (ذلك لأنّ مِن أصولِ أهلِ السّنّةِ: لزومَ الجماعةِ وترْكَ قتالِ الأئمّةِ وترْكَ القتالِ في الفتنةِ..)

    التعليق :

    ترك قتال الأئمة ليس على إطلاقه فحرمة الخروج عليهم مشروطة بأمور مبينة في السنة

    وقد ذكرت هذا الأمر بشيء من التفصيل في رسالة "الإنتصار" فقلت هناك :

    ( إن النصوص الشرعية قيدت وجوب السمع والطاعة للإمام بتطبيق شرع الله .

    ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : (إن أمر عليكم عبد أسود مجدع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) فقيد وجوب طاعته بكونه يقود بكتاب الله .

    وهذا القيد المذكور ورد في روايات: مسلم وأحمد وأبي عوانة والنسائي وابن حبان والطبراني في المعجم الأوسط .

    والروايات التي لم يرد فيها هذا القيد يتعين حملها على هذه المقيدة لما علم من وجوب حمل المطلق على المقيد .

    ومن ذلك تقييده صلى الله عليه وسلم لحرمة الخروج على أئمة قريش باستمرارهم على إقامة الدين :

    فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن معاوية : قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين .

    وإذا كانت حرمة الخروج مشروطة بإقامة الدين بالنسبة لأئمة قريش الذين هم أشرف الأئمة فمن دونهم أولى .

    ومن ذلك أيضا تقييده صلى الله عليه وسلم لحرمة الخروج على الأئمة بإقامة الصلاة :

    فقد روى مسلم في صحيحه عن عوف بن مالك :

    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة .

    فدلت هذه الروايات كلها على ثلاث قيود لحرمة الخروج على الإمام هي :

    - كونه يقود الناس بكتاب الله (أي يحكم بكتاب الله).

    - كونه مقيما للدين .

    - كونه مقيما للصلاة .

    والقيد الرابع كونه لم يخرج من دائرة الإسلام وقد نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال :

    (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ).

    واعلم أن هذه الشروط الأربع لمنع الخروج على الإمام هي من قبيل الشرط على البدل الذي يعني أنه يكفي وجود أحد الشروط لتحقق المشروط كقولك إن قام زيد أو خرج فأعطه الثوب فإنه يستوجب إعطاء الثوب بأحد الأمرين ولا يشترط توفر الشرطين، وإلى هذا أشار في " المراقي " بقوله :


    وما على البدل قد تعلقا فبحصول واحد تحققا


    فمشروعية الخروج على الإمام حاصلة بانتفاء أحد القيود السابقة :

    الحكم بكتاب الله أو إقامة الدين أو إقامة الصلاة أو عدم الخروج من الإسلام .

    ونستنتج من هذا كله مشروعية الخروج على الحكام المعطلين للشرع بغض النظر عن تكفيرهم ) اهـ.

    *****


    المسألة السابعة :

    قوله :

    ( فأهلُ السّنّةِ يَرَوْنَ -إذنْ- وجوبَ الاجتماعِ على منهاجِ النّبوّةِ وعلى ما كان عليه السّلفُ الصّالِحُ، ومِنْ تمامِ هذا الاجتماعِ: السّمعُ والطّاعةُ في المعروفِ لِمَن تأمّرَ علينا ولو كان عبدًا حبشيًّا، مهما كانت صفةُ عدالتِه، )

    التعليق :

    فهو إذن السمع والطاعة في المعروف وليس السمع والطاعة مطلقا كما يريد البعض .

    وألفاظ الحديث ترادفت بهذا المعنى :

    1- (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) ابن حبان -البخاري -مسلم

    2- (إلا أن يؤمر بمعصية الله فإنه لا طاعة في معصية الله عز وجل) مسند أبي عوانة

    3- (فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) لفظ البخاري

    4- ( لا طاعة لمن لم يطع الله ) حديث معاذ عند أحمد

    5- (لا طاعة في معصية الله ) عند البزار في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري

    6- ( لا طاعة لمن عصى الله ) حديث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني

    قال الشوكاني في نيل الأوطار :

    " لا طاعة في معصية الله " أي لا تجب بل تحرم على من كان قادراً على الامتناع ....وهذا تقييد لما أطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم، والقاضية بالصبر على ما يقع من الأمير مما يكره، والوعيد على مفارقة الجماعة، والمراد قوله " لا طاعة في معصية الله " نفي الحقيقة الشرعية لا الوجودية، وقوله " إنما الطاعة في المعروف " فيه بيان ما يطاع فيه أولوا الأمر وهو الأمر بالمعروف لا ما كان منكراً، والمراد بالمعروف ما كان من الأمور المعروفة في الشرع لا المعروف في العقل أو العادة، لأن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها على ما تقرر في الأصول ] ا.هـ

    والمشكلة أن الحكام اليوم كل أوامرهم معاصي لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله ويتبعون نظما مخالفة لشرع الله .

    وبما أن نسبة طاعتهم مطردة مع نسبة انقيادهم لشرع الله فيجب اليوم نزع اليد من طاعتهم لأنهم نزعوا أيديهم من الانقياد لشرع الله .

    *****


    المسألة الثامنة :

    قوله :

    (فالجهادُ ماضٍ مع البَرِّ والفاجرِ من الولاة، والطّائفةُ المنصورةُ ترى وجوبَ إقامةِ الجهادِ والْجُمَعِ والأعيادِ وغيرها من شعائرِ الإسلامِ الجماعيّةِ مع ولاةِ الأمورِ سواء كانوا صالحين أو فُسّاقًا فسقًا غيْرَ مُخْرِجٍ من الْملّةِ، )

    التعليق :

    لا بد عند هذا الكلام من تحقيق مسألة مهمة وهي : من هو الإمام الجائر الذي نهينا عن الخروج عليه

    وهل يدخل فيه المبدل لشرع الله والمعطل لحدود الله ؟

    إن المخالفات الصادرة من الإمام الجائر الذي أمرت الأحاديث بالصبر على طاعته لا تصل إلى درجة تبديل شرع الله والحكم بما عداه؛ بل هي أدنى من ذلك وأيسر، ومن أمثلتها :

    قوله صلى الله عليه وسلم : «أَلاَ مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»

    وقوله : «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ»

    وقوله : «سترون بعدي أمورا تنكرونها».

    وقوله : «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع».

    وقوله : «إنها ستكون بعدي أثرة ً وأمورٌ تنكرونها قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم».

    فهذا النوع من المخالفات والمعاصي هو الذي يعتبر صاحبه إماما جائرا أما من عطل الحدود وألغى شرع الله فهو كافر لا جائر وليس هو من أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على طاعته لأن طاعة هذا النوع من الحكام تعني هدم الدين من أساسه ومعاذ الله أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .

    وقد تحدثت عن هذه المسألة أيضا في رسالة "الانتصار" السابقة الذكر فقلت هناك :

    (العلماء الذين تحدثوا عن وجوب طاعة الإمام وإن جار، لم يكونوا يعبرون بالجور عن تعطيل الحدود والحكم بغير ما أنزل الله ..

    وإنما يقصدون به غالبا ثلاثة معان :

    1- المتغلب الذي نال الحكم عن طريق القوة والغلبة .

    2- الظالم الذي يمنع الناس حقوقهم ويظلم الرعية .

    3- الفاسق الذي يرتكب بعض المعاصي والسيئات الموجب لفسقه .

    هذه هي المعاني التي يذكرها العلماء لمعنى الإمام الجائر غير العدل .

    ومن أمثلة ذلك :

    قال المناوي عند الحديث 1790 - (إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر):

    (فلا يتخيل في إمام أو سلطان فاجر إذا حمى بيضة الإسلام أنه مطروح النفع في الدين لفجوره فيُجَوَّز الخروج عليه وخلعه لأن الله تعالى قد يؤيد به دينه، وفجوره على نفسه فيجب الصبر عليه وطاعته في غير إثم). فيض القدير - (2 / 328)

    وقال أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق (ت : 897هـ) :

    (قال عياض في إكماله : جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام أنه لا يخلع السلطان بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ). التاج والإكليل - (12 / 35)

    وقال ابن حجر :

    (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ). فتح الباري - ابن حجر - (13 / 7)

    ولم أر في شيء من كلام أهل العلم ما يدل على أنهم يعتبرون أن الإمام الجائر الذي حذرت من الخروج عليه النصوص الشرعية يدخل فيه ذلك الذي عطل الحدود وألغى المناهج الشرعية ) اهـ.

    فحكام زماننا الذين يحاربون شرع الله لا يمكن أن يقاسوا بحكام الجور من الأمويين والعباسيين الذين لم يكن لهم شرع يحتكمون إليه سوى شرع الله .

    ومع ذلك فقد خرج عليهم العلماء والتابعون وأهل الحسبة في القرون الثلاثة المزكاة .

    قال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار :

    (وأما قوله ألا ننازع الأمر أهله فقد اختلف الناس في ذلك فقال القائلون منهم أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين مع القوة على القيام بذلك فهؤلاء لا ينازعون لأنهم أهله وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا بأهل له

    واحتجوا بقول الله عز و جل لإبراهيم {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين } البقرة 124

    ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح واتبعهم بذلك خلف من الفضلاء والقراء والعلماء من أهل المدينة والعراق؛ وبهذا خرج بن الزبير والحسين على يزيد وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، ولهذا أخرج أهل المدينة بني أمية عنهم وقاموا عليهم فكانت الحرة) الاستذكار - (5 / 16).

    وإنما قلنا بهذا القول مصيرا إلى الجمع بين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كما ثبت عنه النهي عن الخروج على أئمة الجور ثبت عنه أيضا الأمر بمجاهدة بعضهم بالأيدي فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) .

    وقد كان الحواريون والأصحاب الذين أخذوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم واقتدوا بأمره هم الخلفاء الراشدون .

    ثم جاء من بعد الخلفاء الراشدين خلوف من الأمراء يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمشروعية مجاهدتهم بالأيدي فقال : (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن).

    والذي يظهر والله أعلم أن هذا من العلم الذي كتمه أبو هريرة خشية بأس الأمراء؛ فقد روى البخاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال :

    (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم).

    قال ابن حجر في الفتح :

    (لقطع هذا يعني رأسه وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة ...وإنما أراد أبو هريرة بقوله قطع أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم ) فتح الباري - ابن حجر - (1 / 216)

    وقال ابن بطال :

    (قوله : وأما الآخر لو بثثته قطع هذا البلعوم -، قال المهلب، وأبو الزناد : يعنى أنها كانت أحاديث أشراط الساعة، وما عرّف به صلى الله عليه وسلم من فساد الدين، وتغيير الأحوال، والتضييع لحقوق الله تعالى، كقوله صلى الله عليه وسلم : تمت يكون فساد هذا الدين على يدى أغيلمة سفهاء من قريش -، وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، فخشى على نفسه، فلم يصرح ) شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (1 / 195).

    ومهما يكن من أمر فإن قوله صلى الله عليه وسلم :(فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن) مع قوله : «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع». دال على أن أمراء الجور قد يكون الخروج عليهم مشروعا، وقد يكون ممنوعا، وفي ذلك جمع بين الأحاديث الواردة في الموضوع، ولا شك أن الجمع بين النصين أولى من إلغاء أحدهما كما قال الشيخ سيدي عبد الله في المراقي :


    والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بُيِّنا


    وعليه فإن الخروج على الأمراء يكون ممنوعا إذا كان فسقهم يتعلق ببعض المعاصي والاستئثار بالأموال ونحو ذالك من الضرر الذي يمكن تحمله .

    ويكون مشروعا إذا استفحل خطرهم وعم ضررهم وكانت مفسدة بقائهم في الحكم أعظم من مفسدة الخروج عليهم ..فينبغي ارتكاب أهون الشرين وتحقيق أعظم المصلحتين كما قام الخضر بخرق السفينة وقتل الغلام .

    وانطلاقا من هذه القاعدة وحدها يمكن القول بمشروعية الخروج على أمراء الجور إذا كان ضرر بقائهم أعظم من ضرر الخروج عليهم .

    ففي هذا القول تطبيق لهذه القاعدة الشرعية و فيه جمع بين النصوص وفيه أيضا توجيه سليم لاختلاف الصحابة والتابعين في الخروج على أمراء الجور الذين عاصروهم فالذين رأوا مشروعية الخروج عليهم اعتبروا أن مفسدة بقائهم في الحكم أعظم من مفسدة الخروج، والذين رأوا منع الخروج غلبوا مفسدة الخروج على مفسدة بقائهم في الحكم .

    أما اعتبار الخروج على أئمة الجور ممنوعا دائما ففيه إلغاء لهذه القاعدة الشرعية وفيه إلغاء لبعض النصوص وفيه تجريم لبعض الأخيار من السلف الذين نعتبرهم قدوة لنا .

    قال ابن حزم :

    (فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييئسون من الظفر ففرض عليهم ذلك وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة وقول معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن بن علي وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين وقول كل من أقام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عنهم جميعهم كأنس بن مالك وكل من كان ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي سح الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله ابن الشخير والنضر بن أنس وعطاء بن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الحوسا وجبلة بن زحر وغيرهم ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز ابن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان ومن خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر ومن أخرج مع إبراهيم بن عبد الله وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث أما ناطق بذلك في فتواه وأما الفاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رآه منكرا ) اهـ من الفصل في الملل والأهواء والنحل - (4 / 132).

    وأما وصية بعض السلف دائما بالتحذير من الخروج على أئمة الجور فهي لم تصدر في سياق الإخبار عن حكم شرعي ثابت وإنما كانت اجتهادا أملته مصلحة الواقع وانعكاساته فهي لا تعدوا كونها استمرارا لمذهب السلف الذين لم يكونوا يرون مشروعية الخروج على الحجاج وأمثاله نظرا لما يترتب عليه ذالك الخروج، ويبقى أن من حقنا الاستمرار على مذهب السلف الذين رأوا مشروعية الخروج فالمتبع لهؤلاء أيضا متبع للسلف .

    وقد نبه ابن حزم إلى أن القول بالمنع المطلق للخروج على أئمة الجور لا يسوغ شرعا لما يترتب عليه من مفاسد حيث قال :

    (ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره والنصارى جنده وألزم المسلمين الجزية وحمل السيف على أطفال المسلمين وأباح المسلمات للزنا وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين وملك نساءهم وأطفالهم وأعلن العبث بهم وهو في كل ذلك مقر بالإسلام معلن به لا يدع الصلاة ؟

    فإن قالوا : لا يجوز القيام عليه، قيل لهم أنه لا يدع مسلما إلا قتله جملة وهذا إن ترك أوجب ضرورة أن لا يبقى إلا هو وحده وأهل الكفر معه !

    فإن أجازوا الصبر على هذا خالفوا الاسلام جملة وانسلخوا منه وإن قالوا بل يقام عليه ويقاتل وهو قولهم قلنا لهم فان قتل تسعة أعشار المسلمين أو جميعهم إلا واحد منهم وسبى من نسائهم كذلك وأخذ من أموالهم كذلك فان منعوا من القيام عليه تناقضوا وان أوجبوه سألناهم عن أقل من ذلك ولا نزال نحطهم إلى أن نقف بهم على قتل مسلم واحدا أو على امرأة واحدة أو على أخذ مال أو على انتهاك بشرة بظلم فان فرقوا بين شيء من ذلك تناقضوا وتحكموا بلا دليل وهذا مالا يجوز وان أوجبوا إنكار كل ذلك رجعوا إلى الحق) اهـ الفصل في الملل والأهواء والنحل - (4 / 135)

    لكن ليس من المسلم قول ابن حزم : أن التفريق بين قتل الكثير من المسلمين وقتل الواحد تفريق بلا دليل .

    فالتفريق بينهم قائم على دليل واضح وهو : المقارنة بين مفسدة الخروج ومفسدة بقاء الجور واحتمال أخفهما وإزالة أعظمهما .

    وهذه الاحتمالات التي ذكر ابن حزم تبين في مجملها أن القول بإطلاق المنع للخروج على أهل الجور قد يكون ذريعة لتحمل المفاسد العظيمة التي ما شرع الصبر على جور الأئمة إلا لتفاديها .

    وانطلاقا من قاعدة أن المعلول يدور مع العلة وجودا وعدما فإنه يتعين القول بأن الخروج علي أئمة الجور لا يمنع إلا إذا كانت مفسدة الخروج أعظم من مفسدة استمرار الجور .

    ولكن هذا المبحث لا علاقة له بواقعنا اليوم ..

    فنحن اليوم أمام حكام مبدلين لشريعة الرحمن وموالين لأعداء الإسلام ..

    وهؤلاء الحكام كفار مرتدون خارجون عن الإسلام ..

    فالحديث عن وجوب طاعتهم قبل الحديث عن إثبات إسلامهم هو من قبيل النقش قبل إثبات العرش .

    *****


    المسألة التاسعة :

    قوله :

    (لأنّ إبعادَهم فُرْقَةٌ وخلافٌ وسببٌ لتشتُّتِ كلمةِ المسلمين، ويترتّبُ عليه مِنْ إراقةِ الدّماءِ وضياعِ الحقوقِ وعدمِ استقرارِ الأمنِ ما يُضْعِفُ شَوْكَةَ المسلمين ويُسَلِّطُ عليهِمُ الأعداءَ، ).

    هذا قد يكون صحيحا بالنسبة للخروج على الحاكم الجائر لفسق أو لعدم أداء حقوق الرعية؛ أما الإمام المبدل لشرع الله والموالي لأعداء الله فبقاؤه في الحكم من أعظم المفاسد لأنه يفسد على الناس أمر دينهم وهذه هي الفتنة بعينها التي قال الله تعالى في شأنها : {والفتنة أشد من القتل }.

    فمفسدة القتل والاضطراب أهون من مفسدة الفتنة في الدين والردة عن دين الله بالتحاكم إلى غير شرع الله وموالاة أعداء الله .

    قال الشيخ سليمان بن سحمان:

    (ولو اقتتلت الحاضرة والبادية حتى يفنو عن بكرة أبيهم لكان أهون من أن ينصبوا طاغوتا في الأرض يحتكمون إليه) .

    وقد رد على هذه الشبهة ابن حزم فقال :

    (وقال بعضهم : إن في القيام إباحة الحريم وسفك الدماء وأخذ الأموال وهتك الأستار وانتشار الأمر. فقال لهم الآخرون : كلا لأنه لا يحل لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يهتك حريما ولا أن يأخذ مالا بغير حق ولا أن يتعرض لمن لا يقاتله فإن فعل شيئا من هذا فهو الذي فعل ما ينبغي أن يغير عليه وأما قتله أهل المنكر قلوا أو كثروا فهذا فرض عليه وأما قتل أهل المنكر الناس وأخذهم أموالهم وهتكهم حريمهم فهذا كله من المنكر الذي يلزم الناس تغييره . وأيضا فلو كان خوف ما ذكروا مانعا من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف لكان هذا بعينه مانعا من جهاد أهل الحرب وهذا مالا يقوله مسلم وإن دعى ذلك إلى سبي النصارى نساء المؤمنين وأولادهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وهتك حريمهم ولا خلاف بين المسلمين في أن الجهاد واجب مع وجود هذا كله ولا فرق بين الأمرين وكل ذلك جهاد ودعاء إلى القرآن والسنة) اهـ الفصل في الملل والأهواء والنحل - (4 / 134)

    بقي أن نقول :

    إن الدين يتعرض اليوم لمحنة عظيمة وفتنة لم يتعرض لها على مر عصور الإسلام ..

    الدين اليوم يتعرض لفتنة تنحية الشريعة عن واقع الناس وحياتهم وإحلال القوانين الوضعية محلها ..

    وهذه والله فتنة عظيمة تفوق فتنة القول بخلق القرآن التي تصدى لها العلماء وضحوا في سبيل وقفها بالمهج والأرواح .

    ونحن اليوم أمام فتنة ترسيخ القوانين الوضعية وتنحية الشريعة الإسلامية في حاجة إلى التضحية بالغالي والنفيس ..

    وفي حاجة إلى الاقتناع بضرورية التضحية ..

    وفي حاجة إلى التلذذ بهذه التضحية ..

    وفي حاجة إلى بذل الدماء الطاهرة النقية لكي تبقى شريعة الله طاهرة نقية ..

    ولا تغسل الكعبة إلا بزمزم ..

    {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} ..

    *****


    المسألة العاشرة :

    قوله :

    (وليس معنى ذلك جوازَ إقرارِ الحكّامِ وولاةِ الأمورِ على ما هم عليه من المعاصي والمخالفاتٍ الشّرعِيّةِ، وإنّما الواجبُ كراهيةُ مخالفاتِهم وإنكارُها في حدودِ ما وسعه من قدرةٍ على المناصحةِ والتّغييرِ، من غيرِ نزعِ يدٍ من طاعةٍ أو إحداثِ موجاتٍ من الاضطراباتِ والمشاغَباتِ والمظاهَراتِ والاعتصاماتِ والمنشوراتِ، وأنواعِ السّبابِ والشّتائمِ والقذفِ الموجَّهِ للسّلطانِ وأعوانِه، أو الخروجِ عليه بالحديدِ والنّارِ، وغيرِها من وسائلِ الإخلالِ بالأمنِ والاستقرارِ، سواء كان الخروجُ عليه منتظمًا على هيئةِ فِرَقٍ حزبيّةٍ جهاديّةٍ، أو غيرَ منتظمٍ كما هو حالُ الثُّوّارِ الذين لم يصبروا على جَوْرِ الحكّامِ وظُلْمِهم، )

    التعليق :

    هذا الكلام يقال في حق المنكرات العامة والبسيطة التي قد تضر فاعلها وحده ويسلم المنكر عليه؛ أما فرض الأنظمة الكفرية والقوانين الوضعية فليس من الأمور التي يمكن ان تنكر إنكارا خفيفا لأن السكوت عليها سكوت على الكفر .

    *****


    المسألة الحادية عشرة :

    قوله :

    (ومِن منطلقِ هذا المعتقدِ، فلا شرعيّةَ للفِرَقِ الجهاديّةِ المعاصِرَةِ إلاّ إذا كان معهم ولاةُ أمورِهم أو كانوا تحت إمارتِهم وإشرافِهم، )

    -التعليق :

    هذا كلام باطل فإن هذه الجماعات الجهادية اليوم تقوم بجهاد الدفع الذي لا يحتاج إلى إذن الإمام ولا وجوده.

    ومع ذلك فإن معظم هذه الجماعات تجاهد اليوم مجتمعة تحت إمرة إمام واحد تدين له بالسمع والطاعة وهو متصف بجميع الأوصاف التي تشترط للإمام ولكن المشكلة أن بعض الفقهاء المعاصرين أصبح يعتبر أن من شروط الإمام اعتراف الأمم المتحدة بإمامته !!

    *****


    المسألة الثانية عشرة :

    قوله :

    (والحديثُ المذكورُ في السّؤالِ يدلّ على أنّ المقاتلةَ مع الأمراءِ، وقد عقّب الشّيخُ محمّدٌ ناصرُ الدّينِ الألبانيُّ -رحمه الله- على كلمةِ: «أَمِيرُهُمْ» بأنّه المهديُّ: وهو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، كما تضافرتْ بذلك الأحاديثُ بأسانيدَ بعضُها صحيحٌ وبعضُها حسنٌإ).

    التعليق :

    الأمير لفظة مشتركة تطلق على أمير الجيش وعلى الإمام الأعظم .

    ولا توجد قرينة تدل على أن المراد بالأمير في الحديث الإمام الأعظم، وحتى لو كان هو المراد فإن وجوده وقت نزول عيسى لا يدل على أنه كان موجودا دائما .فليس في الحديث دلالة على ما ذكر .

    *****


    المسألة الثالثة عشرة :

    قوله :

    (فإنْ تخلَّفَتِ الشّروطُ واحتاجتِ المرحلةُ إلى إعدادٍ وبناءٍ فإنّ الطّائفةَ المنصورةَ لا تزالُ بمقوِّماتِها تجاهدُ بالحجّةِ والبرهانِ وهو القتالُ المعنويُّ، وقد جاء في الحديثِ: «لاَ يَزَالُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ بِغَرْسٍ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ»

    التعليق :

    بينا بطلان تلك الشروط وبينا أن الإعداد لا يبيح ترك الجهاد المتعين، وبينا أن الاشتغال بالجهاد بالحجة لا يسقط وجوب الجهاد بالسيف .

    و استدلاله بالحديث الأخير خارج عن الموضوع لأنه حديث عام لا دلالة فيه على شيء مما يريد .


    ورب ذي خلف لنا تعصبا وعن سوى نهج اللجاج قد أبى
    والحق أن بان فليس ينكره إلا معاند لأمر يضمره


    والله اعلم

    والحمد لله رب العالمين .

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


    [1] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما الحديث الذي يرويه بعضهم، أنه قال في غزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) فلا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال..".اهـ [الفرقان ص44-45]. [منبر التوحيد والجهاد]

  • tawhed.ws | alsunnah.info | almaqdese.net | abu-qatada.com | mtj.tw | tawhed.net
    * إننا - في منبر التوحيد و الجهاد - نحرص على نشر كل ما نراه نافعا من كتابات ، إلا أن نشر مادة " ما " لكاتب " ما " ، لا يعني بحال ؛ أن ذلك الكاتب يوافقنا في كل ما نقول ، و لا يعني ؛ أننا نوافقه في كل ما يقول في كتاباته الأخرى ، و الله الموفق لكل خير . * في حال عدم ظهور اسم كاتب موضوع " ما " بجوار عنوان موضوعه .. فإن ذلك إما لكون اسم المؤلف غير معروف لدينا .. أو أنه مذيل في نهاية الموضوع !